السبت، 24 يونيو 2023

من سورة الطلاق

﴿وَكَأَیِّن مِّن قَرۡیَةٍ عَتَتۡ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبۡنَـٰهَا حِسَابࣰا شَدِیدࣰا وَعَذَّبۡنَـٰهَا عَذَابࣰا نُّكۡرࣰا (٨) فَذَاقَتۡ وَبَالَ أَمۡرِهَا وَكَانَ عَـٰقِبَةُ أَمۡرِهَا خُسۡرًا (٩) أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابࣰا شَدِیدࣰاۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ یَـٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ۚ قَدۡ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَیۡكُمۡ ذِكۡرࣰا (١٠) رَّسُولࣰا یَتۡلُوا۟ عَلَیۡكُمۡ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِ مُبَیِّنَـٰتࣲ لِّیُخۡرِجَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَمَن یُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَیَعۡمَلۡ صَـٰلِحࣰا یُدۡخِلۡهُ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدࣰاۖ قَدۡ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزۡقًا (١١)﴾ [الطلاق ٨-١١]

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ، وَكَذَّبَ رُسُلَهُ، وَسَلَكَ غَيْرَ مَا شَرَعَهُ، وَمُخْبِرًا عَمَّا حَلَّ بِالْأُمَمِ السَّالِفَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ أَيْ: تَمَرَّدَتْ وَطَغَتْ وَاسْتَكْبَرَتْ عَنِ اتِّبَاعِ أَمْرِ اللَّهِ وَمُتَابَعَةِ رُسُلِهِ، ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ أَيْ: مُنْكَرًا فَظِيعًا.﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ أَيْ: غِبَّ مُخَالَفَتِهَا، وَنَدِمُوا حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، مَعَ مَا عَجَّل لَهُمْ فِي الدُّنْيَا.ثُمَّ قَالَ بَعْدَ مَا قَصَّ مِنْ خَبَرِ هَؤُلَاءِ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ﴾ أَيِ: الْأَفْهَامِ الْمُسْتَقِيمَةِ، لَا تَكُونُوا مِثْلَهُمْ فَيُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: صَدَّقُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، ﴿قَدْ أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ. كَقَوْلِهِ ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٩]
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿رَسُولا﴾ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ وَمُلَابَسَةٍ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ هُوَ الَّذِي بَلَّغَ الذِّكْرَ.وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّوَابُ أَنَّ الرَّسُولَ تَرْجَمَةٌ عَنِ الذِّكْرِ، يَعْنِي تَفْسِيرًا لَهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أَيْ فِي حَالِ كَوْنِهَا بَيِّنَةً وَاضِحَةً جَلِيَّةً ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ١] وَقَالَ تَعَالَى ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٧] أَيْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ وَالْجَهْلِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْوَحْيَ الَّذِي أَنْزَلَهُ نُورًا لِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الْهُدَى كَمَا سَمَّاهُ رُوحًا لِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ حَيَاةِ الْقُلُوبِ فَقَالَ: تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٥٢] وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذَا غَيْرَ مَرّة بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الخميس، 22 يونيو 2023

من سورة الطلاق

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ٦-٧ 
من سورة الطلاق 
﴿أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَیۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَاۤرُّوهُنَّ لِتُضَیِّقُوا۟ عَلَیۡهِنَّۚ وَإِن كُنَّ أُو۟لَـٰتِ حَمۡلࣲ فَأَنفِقُوا۟ عَلَیۡهِنَّ حَتَّىٰ یَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأۡتَمِرُوا۟ بَیۡنَكُم بِمَعۡرُوفࣲۖ وَإِن تَعَاسَرۡتُمۡ فَسَتُرۡضِعُ لَهُۥۤ أُخۡرَىٰ (٦) لِیُنفِقۡ ذُو سَعَةࣲ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَیۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡیُنفِقۡ مِمَّاۤ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَاۤ ءَاتَىٰهَاۚ سَیَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرࣲ یُسۡرࣰا (٧)﴾ [الطلاق ٦-٧]

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ إِذَا طَلَّقَ أحدُهم الْمَرْأَةَ أَنْ يُسكنَها فِي مَنْزِلٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، فَقَالَ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ أَيْ: عِنْدَكُمْ، ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يَعْنِي سَعَتكم. حَتَّى قَالَ قَتَادَةُ: إِنْ لَمْ تَجِدْ إِلَّا جَنْبَ بَيْتِكَ فأسكنها فيه.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: يَعْنِي يُضَاجِرُهَا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ بِمَالِهَا أَوْ تَخْرُجَ مِنْ مَسْكَنِهِ.وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ قَالَ: يُطَلِّقُهَا، فَإِذَا بَقِيَ يَوْمَانِ رَاجَعَهَا.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَطَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وَجَمَاعَاتٌ مِنَ الْخَلَفِ: هَذِهِ فِي الْبَائِنِ، إِنْ كَانَتْ حَامِلًا أَنْفَقَ عَلَيْهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا، قَالُوا: بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ تَجِبُ نَفَقَتُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ حَائِلًا.وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ السِّيَاقُ كُلُّهُ فِي الرَّجْعِيَّاتِ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى الْحَامِلِ وَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ تَطُولُ مُدَّتُهُ غَالِبًا، فَاحْتِيجَ إِلَى النَّصِّ عَلَى وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ إِلَى الْوَضْعِ؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ إِنَّمَا تَجِبُ النَّفَقَةُ بِمِقْدَارِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ.وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلِ النَّفَقَةُ لَهَا بِوَاسِطَةِ الْحَمْلِ، أَمْ لِلْحَمْلِ وَحْدَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَنْصُوصَيْنِ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا مَسَائِلُ مَذْكُورَةٌ فِي عِلْمِ الْفُرُوعِ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أَيْ: إِذَا وَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَهُنَّ طَوَالِقُ، فَقَدْ بنَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ، وَلَهَا حِينَئِذٍ أَنْ تُرْضِعَ الْوَلَدَ، وَلَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ، وَلَكِنْ بَعْدَ أَنْ تُغَذِّيَهُ باللبَّأ -وَهُوَ بَاكُورَةُ اللَّبَنِ الَّذِي لَا قِوَامَ لِلْوَلَدِ غَالِبًا إِلَّا بِهِ-فَإِنْ أَرْضَعَتِ اسْتَحَقَّتْ أَجْرَ مِثْلِهَا، وَلَهَا أَنْ تُعَاقِدَ أَبَاهُ أَوْ وَلِيَّهُ عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرَةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ أَيْ: وَلْتَكُنْ أُمُورُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ بِالْمَعْرُوفِ، مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ وَلَا مُضَارَّةٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ": ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٣]
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ أَيْ: وَإِنِ اخْتَلَفَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، فَطَلَبَتِ الْمَرْأَةُ أُجْرَةَ الرَّضَاعِ كَثِيرًا وَلَمْ يُجِبْهَا الرَّجُلُ إِلَى ذَلِكَ، أَوْ بَذَلَ الرَّجُلُ قَلِيلًا وَلَمْ تُوَافِقْهُ عَلَيْهِ، فَلْيَسْتَرْضِعْ لَهُ غَيْرَهَا. فَلَوْ رَضِيَتِ الْأُمُّ بِمَا اسْتُؤْجِرَتْ عَلَيْهِ الْأَجْنَبِيَّةُ فَهِيَ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ أَيْ: لِيُنْفِقْ عَلَى الْمَوْلُودِ وَالِدُهُ، أَوْ وَلِيُّهُ، بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٦] .رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا حَكَّام، عن أَبِي سِنَانٍ قَالَ: سَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ يَلْبَسُ الْغَلِيظَ مِنَ الثِّيَابِ، وَيَأْكُلُ أَخْشَنَ الطَّعَامِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَقَالَ لِلرَّسُولِ: انْظُرْ مَا يَصْنَعُ بِهَا إِذَا هُوَ أَخَذَهَا: فَمَا لَبِثَ أَنْ لَبِسَ اللَّيِّنَ مِنَ الثِّيَابِ، وَأَكَلَ أَطْيَبَ الطَّعَامِ، فَجَاءَهُ الرَّسُولُ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ، تَأَوَّلَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾(١) وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ مَرْثَدٍ الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، أَخْبَرَنِي ضَمْضَم بْنُ زُرْعَة، عَنْ شُرَيح بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ -وَاسْمُهُ الْحَارِثُ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، كَانَ لِأَحَدِهِمْ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَتَصَدَّقَ مِنْهَا بِدِينَارٍ. وَكَانَ لِآخَرَ عَشْرُ أَوَاقٍ، فَتَصَدَّقَ مِنْهَا بِأُوقِيَّةٍ. وَكَانَ لِآخَرَ مِائَةُ أُوقِيَّةٍ، فَتَصَدَّقَ مِنْهَا بِعَشْرِ أَوَاقٍ". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمْ فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ، كُلٌّ قَدْ تَصَدَّقَ بِعُشْرِ مَالِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾(٢)هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ وَعْدٌ مِنْهُ تَعَالَى، وَوَعْدُهُ حَقٌّ، لَا يُخْلِفُهُ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشَّرْحِ: ٥، ٦]وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدِيثًا يَحْسُنُ أَنْ نَذْكُرَهُ هَا هُنَا، فَقَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرَام، حَدَّثَنَا شَهْر بْنُ حَوْشَب قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ لَهُ فِي السَّلَفِ الْخَالِي لَا يَقْدِرَانِ عَلَى شَيْءٍ، فَجَاءَ الرَّجُلُ مِنْ سَفَرِهِ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ جَائِعًا قَدْ أَصَابَ(٣) مَسْغَبَةً شَدِيدَةً، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَبْشِرْ، أَتَاكَ رِزْقُ اللَّهِ، فَاسْتَحَثَّهَا، فَقَالَ: وَيْحَكِ! ابْتَغِي إِنْ كَانَ عِنْدَكِ شَيْءٌ. قَالَتْ نَعَمْ، هُنَيهة -تَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ-حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيْهِ الطَّوَى(٤) قَالَ: وَيْحَكِ! قُومِي فَابْتَغِي إِنْ كَانَ عِنْدَكِ شَيْءٌ فائتيني به، فإني قد بُلغتُ وجَهِدتُ. فقال: نعم، الآن يُنضح التَّنُّورُ فَلَا تَعْجَلْ. فَلَمَّا أَنْ سَكَتَ عَنْهَا سَاعَةً وَتَحَيَّنَتْ أَنْ يَقُولَ لَهَا، قَالَتْ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهَا: لَوْ قمتُ فنظرتُ إِلَى تَنُّورِي؟ فقامَتْ فنظرَت إِلَى تَنورها مَلْآنَ مِنْ جنُوبَ الْغَنَمِ، ورَحييها تطحنَان. فَقَامَتْ إِلَى الرَّحَى فنَفضتها، وَاسْتَخْرَجَتْ مَا فِي تَنُّورِهَا مِنْ جُنُوبِ الْغَنَمِ.قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَوَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ، هُوَ(٥) قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﷺ: "لَوْ أَخَذَتْ مَا فِي رَحييها وَلَمْ تَنْفُضْهَا لَطَحَنَتَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"(٦)وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ -وَهُوَ ابْنُ سِيرِينَ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ الْحَاجَةِ خَرَجَ إِلَى البَرِيَّة، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ قَامَتْ إِلَى الرَّحَى فَوَضَعَتْهَا، وَإِلَى التَّنُّورِ فسَجَرته، ثُمَّ قَالَتِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا. فَنَظَرَتْ، فَإِذَا الْجَفْنَةُ قَدِ امْتَلَأَتْ، قَالَ: وَذَهَبَتْ إِلَى التَّنُّورِ فَوَجَدَتْهُ مُمْتَلِئًا، قَالَ: فَرَجَعَ الزَّوْجُ قَالَ: أَصَبْتُمْ بَعْدِي شَيْئًا؟ قَالَتِ امْرَأَتُهُ: نَعَمْ، مِنْ رَبِّنَا. قَامَ إِلَى الرَّحَى، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَمَا إِنَّهُ لَوْ لَمْ تَرْفَعْهَا، لَمْ تزل تدور إلى يوم القيامة"(٧)

(١) تفسير الطبري (٢٨/٩٦) .
(٢) المعجم الكبير (٣/٢٩٢) وفس إسناده ضعف وانقطاع كما تقدم مرارًا.
(٣) في م، أ: "أصابته".
(٤) في م: "الطول".
(٥) في م: "عن".
(٦) المسند (٢/٤٢١) .
(٧) المسند (٢/٥١٣) .

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الاثنين، 19 يونيو 2023

من سورة التغابن

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ١١_١٣
من سورة التغابن 
﴿مَاۤ أَصَابَ مِن مُّصِیبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن یُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ یَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمࣱ (١١) وَأَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُوا۟ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّیۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَـٰغُ ٱلۡمُبِینُ (١٢) ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡیَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن ١١-١٣]

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا بِمَا أَخْبَرَ بِهِ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٢] وَهَكَذَا قَالَ هاهنا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِأَمْرِ اللَّهِ، يَعْنِي: عَنْ قَدَرِهِ(١) وَمَشِيئَتِهِ.﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: وَمَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَعَلِمَ أَنَّهَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ وَاسْتَسْلَمَ لِقَضَاءِ اللَّهِ، هَدَى اللَّهُ قَلْبَهُ، وعَوَّضه عَمَّا فَاتَهُ مِنَ الدُّنْيَا هُدى فِي قَلْبِهِ، وَيَقِينًا صَادِقًا، وَقَدْ يُخْلِفُ عَلَيْهِ مَا كَانَ أَخَذَ مِنْهُ، أَوْ خَيْرًا مِنْهُ.قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يَعْنِي: يَهْدِ قَلْبَهُ لِلْيَقِينِ، فَيَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ.وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي ظِبْيان قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَلْقَمَةَ فَقُرِئَ عِنْدَهُ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ، فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ(٢) وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ(٣)وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يَعْنِي: يَسْتَرْجِعُ، يَقُولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٥٦]وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: "عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ، لَا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاء صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاء شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ"(٤)وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاح؛ أَنَّهُ سَمِعَ جُنَادَةَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ يَقُولُ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَتَصْدِيقٌ بِهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ". قَالَ: أُرِيدُ أهونَ مِنْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "لَا تَتَّهِمِ اللَّهَ فِي شَيْءٍ، قَضَى لَكَ بِهِ". لَمْ يُخَرِّجُوهُ(٥)
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أمرٌ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهُ فِيمَا شَرَعَ، وَفِعْلُ مَا بِهِ أَمَرَ وَتَرْكُ مَا عَنْهُ نَهَى(٦) وَزَجَرَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أَيْ: إِنْ نَكَلْتُمْ عَنِ الْعَمَلِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّل مِنَ الْبَلَاغِ، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتم مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ.قَالَ الزُّهْرِيُّ: مِنَ اللَّهِ الرِّسَالَةُ، وَعَلَى الرَّسُولِ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ(٧)ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، فَقَالَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَالْأَوَّلُ خَبَرٌ عَنِ التَّوْحِيدِ، وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الطَّلَبِ، أَيْ: وَحِّدُوا الْإِلَهِيَّةَ لَهُ، وَأَخْلِصُوهَا لَدَيْهِ، وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا﴾ [المزمل: ٩] .

(١) في أ: "عن قدرته".
(٢) تفسير الطبري (٢٨/٧٩) .
(٣) في م: "وابن أبي حاتم في تفسيرهما".
(٤) الحديث رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٩٩٩) من حديث صهيب الرومي، رضي الله عنه.
(٥) المسند (٥/٣١٨) .
(٦) في م: "ما ينهي عنه".
(٧) رواه البخاري في صحيحه معلقًا (١٣/٥٠٣) "فتح".

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

من سورة الطلاق

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ١ من 
سورة الطلاق 
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُوا۟ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخۡرُجۡنَ إِلَّاۤ أَن یَأۡتِینَ بِفَـٰحِشَةࣲ مُّبَیِّنَةࣲۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن یَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِی لَعَلَّ ٱللَّهَ یُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ أَمۡرࣰا﴾ [الطلاق ١]

تَفْسِيرُ سُورَةِ الطَّلَاقِوَهِيَ مَدَنِيَّةٌ.بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* * *خُوطب النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلًا تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، ثُمَّ خَاطَبَ الْأُمَّةَ تَبَعًا فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوَابِ بْنِ سَعِيدٍ الْهُبَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَفْصَةَ، فَأَتَتْ أَهْلَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فَقِيلَ لَهُ: رَاجِعْهَا فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ، وَهِيَ مِنْ أَزْوَاجِكَ وَنِسَائِكَ فِي الْجَنَّةِ.وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ بَشَّارٍ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ ... فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا(١) وَقَدْ وَرَدَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا.وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْر، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ وَعُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ عمرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "لِيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ"(٢)هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هاهنا وَقَدْ رَوَاهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، وَمُسْلِمٌ، وَلَفْظُهُ: "فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ"(٣)وَرَوَاهُ أَصْحَابُ الْكُتُبِ وَالْمَسَانِيدِ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ(٤) وَمَوَاضِعُ اسْتِقْصَائِهَا كتب الأحكام.وأمَسُّ لَفْظٍ يورَد هَا هُنَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ طَرِيقِ ابْنُ جُرَيْج: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ -مَوْلَى عَزة يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ-وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ ذَلِكَ: كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا؟ فَقَالَ: طَلَّق ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لِيُرَاجِعْهَا" فَردَّها، وَقَالَ: "إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ يُمْسِكْ". قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَقَرَأَ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾(٥) .وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قَالَ: الطُّهْرُ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ(٦) وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وقَتَادَةَ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْران، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ مِثْلُ ذَلِكَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ.وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قَالَ: لَا يُطَلِّقْهَا وَهِيَ حَائِضٌ وَلَا فِي طُهْرٍ قَدْ جَامَعَهَا فِيهِ، وَلَكِنْ: تَتْرُكُهَا حَتَّى إِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً.وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الْعِدَّةُ: الطُّهْرُ، وَالْقُرْءُ الْحَيْضَةُ، أَنْ يُطَلِّقَهَا حُبْلَى مُسْتَبِينًا حَمْلَهَا، وَلَا يُطَلِّقَهَا وَقَدْ طَافَ عَلَيْهَا، وَلَا يَدْرِي حُبْلَى هِيَ أَمْ لَا.وَمِنْ هَا هُنَا أَخَذَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الطَّلَاقِ وَقَسَّمُوهُ إِلَى طَلَاقِ سُنَّةٍ وَطَلَاقِ بِدْعَةٍ، فَطَلَاقُ السُّنَّةِ: أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ، أَوْ حَامِلًا قَدِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا. وَالْبِدْعِيُّ: هُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي حَالِ الْحَيْضِ، أَوْ فِي طُهْرٍ قَدْ جَامَعَهَا فِيهِ، وَلَا يَدْرِي أَحَمَلَتْ أَمْ لَا؟ وَطَلَاقٌ ثَالِثٌ لَا سُنَّةَ فِيهِ وَلَا بِدْعَةَ، وَهُوَ طَلَاقُ الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ، وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَتَحْرِيرُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مُسْتَقْصًى فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
* * *وَقَوْلُهُ ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ أَيِ: احْفَظُوهَا وَاعْرِفُوا ابْتِدَاءَهَا وَانْتِهَاءَهَا؛ لِئَلَّا تَطُولَ الْعِدَّةُ عَلَى الْمَرْأَةِ فَتَمْتَنِعَ مِنَ الْأَزْوَاجِ. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ أَيْ: فِي ذَلِكَ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ أَيْ: فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ لَهَا حَقُّ السُّكْنَى عَلَى الزَّوْجِ مَا دَامَتْ مُعْتَدَّةً مِنْهُ، فَلَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُخْرِجَهَا، وَلَا يَجُوزَ لَهَا أَيْضًا الْخُرُوجُ لِأَنَّهَا مُعْتَقَلَةٌ(٧) لِحَقِّ الزَّوْجِ أَيْضًا.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أَيْ: لَا يَخْرُجْنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ إِلَّا أَنْ تَرْتَكِبَ الْمَرْأَةُ فَاحِشَةً مُبَيِّنَةً، فَتَخْرُجَ مِنَ الْمَنْزِلِ، وَالْفَاحِشَةُ الْمُبَيِّنَةُ تَشْمَلُ الزِّنَا، كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّب، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرمة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو قِلابة، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَعَطَاءٌ الخراساني، والسُّدِّي، وسعيد بن أبي هلال، وغيرهم وتشمل ماذا(٨) نشزَت الْمَرْأَةُ أَوْ بَذَت عَلَى أَهْلِ الرَّجُلِ وَآذَتْهُمْ فِي الْكَلَامِ وَالْفِعَالِ، كَمَا قَالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَغَيْرُهُمْ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أَيْ: شَرَائِعُهُ وَمَحَارِمُهُ ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ أَيْ: يَخْرُجُ عَنْهَا وَيَتَجَاوَزُهَا إِلَى غَيْرِهَا وَلَا يَأْتَمِرُ بِهَا ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أَيْ: بِفِعْلِ ذَلِكَ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَبْقَيْنَا الْمُطْلَّقَةَ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ، لَعَلَّ الزَّوْجَ يَنْدَمُ عَلَى طَلَاقِهَا وَيَخْلُقُ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ رَجْعَتَها، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَيْسَرَ وَأَسْهَلَ.قَالَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ قَالَ: هِيَ الرَّجْعَةُ. وَكَذَا قال الشعبي، وعطاء، وقتادة، والضحاك، ومقاتل ابن حيان، والثوري. ومن هاهنا ذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ مِنَ السَّلَفِ وَمَنْ تَابَعَهُمْ، كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ السُّكْنَى لِلْمَبْتُوتَةِ، وَكَذَا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَاعْتَمَدُوا أَيْضًا عَلَى حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ الْفِهْرِيَّةِ، حِينَ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا أَبُو عَمْرُو بْنُ حَفْصٍ آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، وَكَانَ غَائِبًا عَنْهَا بِالْيَمَنِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ -[يَعْنِي](٩) نَفَقَةً-فَتَسَخَّطته فَقَالَ: وَاللَّهِ لَيْسَ لَكِ عَلَيْنَا نَفَقَةٌ. فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فقال: "لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ". وَلِمُسْلِمٍ: وَلَا سُكْنَى، وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: "تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ" الْحَدِيثَ(١٠)وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بِلَفْظٍ آخَرَ، فَقَالَ:حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مَجَالِدٌ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَأَتَيْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، فَحَدَّثَتْنِي أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَبِعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَرية. قَالَتْ: فَقَالَ لِي أَخُوهُ: اخْرُجِي مِنَ الدَّارِ. فَقُلْتُ: إِنَّ لِي نَفَقَةً وَسُكْنَى حَتَّى يَحُلَّ الْأَجَلُ. قَالَ: لَا. قَالَتْ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ فُلَانًا طَلَّقَنِي، وَإِنَّ أَخَاهُ أَخْرَجَنِي وَمَنَعَنِي السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ، [فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ](١١) فَقَالَ: "مَا لَكَ وَلِابْنَةِ آلِ قَيْسٍ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَخِي طَلَّقَهَا ثَلَاثًا جَمِيعًا. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "انْظُرِي يَا بِنْتَ آلِ قَيْسٍ، إِنَّمَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ فَلَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى. اخْرُجِي فَانْزِلِي عَلَى فُلَانَةٍ". ثُمَّ قَالَ: "إِنَّهُ يُتحَدّث إِلَيْهَا، انْزِلِي عَلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ أَعْمَى لَا يَرَاكِ" وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ(١٢)وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزَّارُ التُّسْتَريّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أُخْتِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الْقُرَشِيِّ، وَزَوْجُهَا أَبُو عمرو بن حفص بن المغيرة الْمَخْزُومِيُّ فَقَالَتْ: إِنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ أَرْسَلَ إِلَيَّ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ فِي جَيْشٍ إِلَى الْيَمَنِ بِطَلَاقِي، فَسَأَلْتُ أَوْلِيَاءَهُ النَّفَقَةَ عَلَيَّ وَالسُّكْنَى، فَقَالُوا: مَا أَرْسَلَ إِلَيْنَا فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَا أَوْصَانَا بِهِ. فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ أَرْسَلَ إِلَيَّ بِطَلَاقِي، فَطَلَبْتُ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ عَلَيَّ، فَقَالَ: أَوْلِيَاؤُهُ: لَمْ يُرْسِلْ إِلَيْنَا فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّمَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، فَإِذَا كَانَتْ لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى".وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ(١٣) عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الصُّوفِيِّ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْن، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ وَهُوَ الْأَحْمَسِيُّ البَجَلي الْكُوفِيُّ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: وَهُوَ شَيْخٌ، يَرْوِي عَنْهُ(١٤)

(١) تفسير الطبري (٢٨/٨٥)
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٩٠٨) .
(٣) صحيح البخاري برقم (٥٢٥١) وصحيح مسلم برقم (١٤٧١) .
(٤) المسند (٢/٢٦، ٤٣، ٥١، ٥٤، ٥٨) وسنن أبي داود برقم (٢١٧٩) وسنن النسائي (٦/١٣٨) وسنن ابن ماجة برقم (٢٠٢٣) .
(٥) صحيح مسلم برقم (١٤٧١٩) .
(٦) رواه الطبري في تفسيره (٢٨/٨٣) .
(٧) في أ: "لأنها متعلقة".
(٨) في م، أ: "وتشمل ما إذا".
(٩) زيادة من م.
(١٠) صحيح مسلم برقم (١٤٨٠) .
(١١) زيادة من المسند.
(١٢) المسند (٦/٣٧٣) .
(١٣) المعجم الكبير (٢٤/٣٨٢) وسنن النسائي (٦/١٤٤) .
(١٤) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٤/٧٤) .

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الثلاثاء، 13 يونيو 2023

من سورة الجمعة

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ١١
من سورة الجمعة 
﴿وَإِذَا رَأَوۡا۟ تِجَـٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوۤا۟ إِلَیۡهَا وَتَرَكُوكَ قَاۤىِٕمࣰاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَیۡرࣱ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَـٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَیۡرُ ٱلرَّ ٰ⁠زِقِینَ﴾ [الجمعة ١١]

يُعَاتِبُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى مَا كَانَ وَقَعَ مِنْ الِانْصِرَافِ عَنِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى التِّجَارَةِ الَّتِي قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ أَيْ: عَلَى الْمِنْبَرِ تَخْطُبُ. هَكَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، مِنْهُمْ: أَبُو الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنُ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وقَتَادَةُ.وَزَعَمَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: أَنَّ التِّجَارَةَ كَانَتْ لِدَحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، وَكَانَ مَعَهَا طَبْلٌ، فَانْصَرَفُوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا عَلَى الْمِنْبَرِ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ. وَقَدْ صَحّ بِذَلِكَ الْخَبَرُ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَين، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدمَت عيرٌ الْمَدِينَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَخَرَجَ النَّاسُ وَبَقِيَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ سَالِمٍ، بِهِ(١)وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا هُشَيم، عَنْ حُصَين، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ وَأَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَدِمَتْ عيرٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَابْتَدَرَهَا أصحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ تَتَابَعْتُمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْكُمْ أَحَدٌ، لَسَالَ بِكُمُ الْوَادِي نَارًا" وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ وَقَالَ: كَانَ فِي الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢) .وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا. وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَة قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس.ولكن هاهنا شَيْءٌ يَنْبَغِي أَنْ يُعلَم وَهُوَ: أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ قَدْ قِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْخُطْبَةِ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، أَخْبَرَنِي أَبُو مُعَاذٍ بُكَير بْنُ مَعروف، أَنَّهُ سَمِعَ مُقَاتل بْنَ حَيَّان يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ مِثْلَ الْعِيدَيْنِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، وَقَدْ صَلَّى الْجُمُعَةَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ دحيةَ بْنَ خَلِيفَةَ قَدْ قدمَ بِتِجَارَةٍ(٣) يَعْنِي: فَانْفَضُّوا، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ أَيِ: الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوَابِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ أَيْ: لِمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَطَلَبَ الرِّزْقَ فِي وَقْتِهِ.

(١) المسند (٣/٣١٣) وصحيح البخاري برقم (٤٨٩٩) وصحيح مسلم برقم (٨٦٣) .
(٢) مسند أبي يعلى (٣/٤٦٨) .
(٣) المراسيل برقم (٦٢) .

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الأحد، 11 يونيو 2023

من سورة الجمعة

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ٥_٨
من سورة الجمعة 
﴿مَثَلُ ٱلَّذِینَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ یَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ یَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ (٥) قُلۡ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ هَادُوۤا۟ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ (٦) وَلَا یَتَمَنَّوۡنَهُۥۤ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَیۡدِیهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِیمُۢ بِٱلظَّـٰلِمِینَ (٧) قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِی تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَـٰقِیكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلۡغَیۡبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَیُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (٨)﴾ [الجمعة ٥-٨]

يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أُعْطُوا التَّوْرَاةَ وَحَمَلُوهَا لِلْعَمَلِ بِهَا، فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهَا، مَثَلُهُمْ فِي ذَلِكَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، أَيْ: كَمَثَلِ الْحِمَارِ إِذَا حُمِّلَ كُتُبًا لَا يَدْرِي مَا فِيهَا، فَهُوَ يَحْمِلُهَا حَمْلًا حِسِّيًّا(١) وَلَا يَدْرِي مَا عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ فِي حَمْلِهِمُ الْكِتَابَ الَّذِي أُوتُوهُ، حَفِظُوهُ لَفْظًا وَلَمْ يَفْهَمُوهُ(٢) وَلَا عَمِلُوا بِمُقْتَضَاهُ، بَلْ أَوَّلُوهُ وَحَرَّفُوهُ وَبَدَّلُوهُ، فَهُمْ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْحَمِيرِ؛ لِأَنَّ الْحِمَارَ لَا فهمَ لَهُ، وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ فُهُومٌ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقال هاهنا: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَير، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ "أنصت"، ليس له جمعة"(٣) ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ عَلَى هُدًى، وَأَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَادْعُوا بِالْمَوْتِ عَلَى الضَّالِّ مِنَ الْفِئَتَيْنِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فِيمَا تَزْعُمُونَهُ.قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما يعلمون لَهُمْ(٤) مِنَ الْكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالْفُجُورِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمُبَاهَلَةِ لِلْيَهُودِ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٩٤ -٩٦] وَقَدْ أَسْلَفْنَا الْكَلَامَ هُنَاكَ وَبَيَّنَّا أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَدْعُوا عَلَى الضَّالِّ(٥) مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَوْ خُصُومِهِمْ، كَمَا تَقَدَّمَتْ مُبَاهَلَةُ النَّصَارَى فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٦١] وَمُبَاهَلَةُ الْمُشْرِكِينَ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٧٥]وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَزِيدَ الرَّقِّيُّ أَبُو يَزِيدَ، حَدَّثَنَا فُرَاتٌ، عَنْ(٦) عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ الْجَزَرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ: إِنْ رأيتُ مُحَمَّدًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ لآتينَّه حَتَّى أَطَأَ عَلَى عُنُقه. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ فَعَلَ لأخذَته الْمَلَائِكَةُ عِيَانًا، وَلَوْ أَنَّ الْيَهُودَ تَمَنَّوا الْمَوْتَ لَمَاتُوا وَرَأَوْا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ(٧) النَّارِ. وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُباهلون رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَرَجَعُوا لَا يَجِدُونَ مَالًا وَلَا أَهْلًا.رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، [بِهِ](٨)(٩) قَالَ الْبُخَارِيُّ: "وَتَبِعَهُ(١٠) عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ". وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الحلَبِي، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الرَّقِّيِّ، بِهِ أَتَمَّ(١١)
* * *وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٧٨]وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهُذَلِيِّ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَة مَرْفُوعًا: "مَثَلُ الَّذِي يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ كَمَثَلِ الثَّعْلَبِ تَطْلُبُهُ الْأَرْضُ بِدَيْنٍ، فَجَاءَ يَسْعَى حَتَّى إِذَا أَعْيَا وَانْبَهَرَ دَخَلَ جُحْرَهُ، فَقَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ: يَا ثَعْلَبُ دَيْنِي. فَخَرَجَ لَهُ حُصَاص، فَلَمْ يَزَلْ كذلك حتى تقطعت عنقه، فمات".(١٢)

(١) في أ: "حسنًا".
(٢) في م: "ولم يتفهموه".
(٣) المسند (١/٢٣٠) وقال الهيثمي في المجمع (٢/١٨٤) : "فيه مجالد بن سعيد وقد ضعفه الناس ووثقه النسائي في رواية".
(٤) في أ: "هم".
(٥) في م: "الضلال".
(٦) في م: "بن".
(٧) في أ: "في".
(٨) زيادة من أ.
(٩) المسند (١/٢٤٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٥٨) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٨٥) .
(١٠) في م، أ: "وتابعه".
(١١) سنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٦١) .
(١٢) المعجم الكبير (٧/٢٢٢) ورواه العقيلي في الضعفاء (٤/٢٠٠) ومن طريقه ابن الجوزى في العلل المتناهية (٢/٤٠٥) وقال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعاذ في حديثه وهم، ولا يتابع على رفعه، وإنما هو موقوف على سمرة".

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))