الأحد، 14 مايو 2023

من سورة الكهف

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ٨٣_٩١
من سورة الكهف 
﴿وَیَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِی ٱلۡقَرۡنَیۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُوا۟ عَلَیۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَیۡنَـٰهُ مِن كُلِّ شَیۡءࣲ سَبَبࣰا (٨٤) فَأَتۡبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِی عَیۡنٍ حَمِئَةࣲ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمࣰاۖ قُلۡنَا یَـٰذَا ٱلۡقَرۡنَیۡنِ إِمَّاۤ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّاۤ أَن تَتَّخِذَ فِیهِمۡ حُسۡنࣰا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ یُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَیُعَذِّبُهُۥ عَذَابࣰا نُّكۡرࣰا (٨٧) وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحࣰا فَلَهُۥ جَزَاۤءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا یُسۡرࣰا (٨٨) ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغَ مَطۡلِعَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَطۡلُعُ عَلَىٰ قَوۡمࣲ لَّمۡ نَجۡعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتۡرࣰا (٩٠) كَذَ ٰ⁠لِكَۖ وَقَدۡ أَحَطۡنَا بِمَا لَدَیۡهِ خُبۡرࣰا (٩١)﴾ [الكهف ٨٣-٩١]

قوله تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ مِنْ خَبَرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنَّهُ أُوتِيَ مَا لَمْ يُؤْتَ غَيْرُهُ، فَمُدَّتْ لَهُ الْأَسْبَابُ حَتَّى انْتَهَى مِنَ الْبِلَادِ إِلَى مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، لَا يَطَأُ أَرْضًا إِلَّا سُلِّطَ عَلَى أَهْلِهَا، حَتَّى انْتَهَى مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلَى مَا ليس وراءه شي مِنَ الْخَلْقِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَنْ يَسُوقُ الْأَحَادِيثَ عَنِ الْأَعَاجِمِ فِيمَا تَوَارَثُوا مِنْ عِلْمِ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ [رجلا(١) من أهل مصر اسمه مرزبان ابن مَرْدُبَةَ الْيُونَانِيُّ مِنْ وَلَدِ يُونَانَ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُهُ الْإِسْكَنْدَرُ وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ الْكُلَاعِيِّ- وَكَانَ خَالِدُ رَجُلًا قَدْ أَدْرَكَ النَّاسَ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ: (مَلِكٌ مَسَحَ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا بِالْأَسْبَابِ). وَقَالَ خَالِدٌ: وَسَمِعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رَجُلًا يَقُولُ يَا ذا القرنين، فقال: [عمر(٢) اللَّهُمَّ غُفْرًا(٣) أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ تُسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة! فقال ابْنُ إِسْحَاقَ: فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ؟ أَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَالْحَقُّ مَا قَالَ. قُلْتُ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ، سمع رجل يَدْعُو آخَرَ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَمَا كَفَاكُمْ أَنْ تَسَمَّيْتُمْ بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى تَسَمَّيْتُمْ بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ! وَعَنْهُ أَنَّهُ عَبْدُ مَلِكٍ (بِكَسْرِ اللَّامِ) صَالِحٍ نَصَحَ اللَّهَ فَأَيَّدَهُ. وَقِيلَ: هُوَ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ الْأَرْضَ. وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ الْأَخْبَارِ أَنَّ مَلَكًا يُقَالُ لَهُ رَبَاقِيلُ(٤) كَانَ يَنْزِلُ عَلَى ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَذَلِكَ الْمَلَكُ هُوَ الَّذِي يطوي الأرض يوم القيامة، وينقصها فَتَقَعُ أَقْدَامُ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ بِالسَّاهِرَةِ(٥)، فِيمَا ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَهَذَا مُشَاكِلٌ بِتَوْكِيلِهِ بِذِي الْقَرْنَيْنِ الَّذِي قَطَعَ الْأَرْضَ مَشَارِقَهَا ومغاربها، كما أن قصة خالد ابن سِنَانٍ فِي تَسْخِيرِ النَّارِ لَهُ مُشَاكِلَةٌ بِحَالِ الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِهَا، وَهُوَ مَالِكٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَلَى جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ أَجْمَعِينَ. ذَكَرَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي كِتَابِ الْبَدْءِ لَهُ خَالِدَ بْنَ سِنَانٍ الْعَبْسِيَّ وَذَكَرَ نُبُوَّتَهُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ وُكِّلَ بِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَكَانَ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ أَنَّ نَارًا يُقَالُ لَهَا: نَارُ الْحَدَثَانِ، كَانَتْ تَخْرُجُ عَلَى النَّاسِ مِنْ مَغَارَةٍ فَتَأْكُلُ النَّاسَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا، فَرَدَّهَا خالد ابن سِنَانٍ فَلَمْ تَخْرُجْ بَعْدُ. وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَفِي السَّبَبِ الَّذِي سُمِّيَ بِهِ بِذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَأَمَّا اسْمُهُ فَقِيلَ: هُوَ الْإِسْكَنْدَرُ الْمَلِكُ الْيُونَانِيُّ الْمَقْدُونِيُّ، وَقَدْ تُشَدَّدُ قَافُهُ فَيُقَالُ: الْمَقَّدُونِيُّ. وَقِيلَ: اسْمُهُ هَرْمَسُ. وَيُقَالُ: اسْمُهُ هرديس. وقال ابن هشام: هو الصعب ابن ذِي يَزِنَ الْحِمْيَرِيُّ مِنْ وَلَدِ وَائِلِ بْنِ حِمْيَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُوَ رُومِيٌّ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ شَابٌّ مِنَ الرُّومِ. وَهُوَ حَدِيثٌ وَاهِي السَّنَدِ، قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَالظَّاهِرُ مِنْ عِلْمِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُمَا اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا- كَانَ عَلَى عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ الَّذِي قَضَى لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ فِي بِئْرِ السَّبُعِ بِالشَّامِ. وَالْآخَرُ: أَنَّهُ كَانَ قَرِيبًا مِنْ عَهْدِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَفْرِيدُونُ الَّذِي قَتَلَ بيوراسب بْنَ أرونداسب الْمَلِكَ الطَّاغِيَ عَلَى عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوْ قَبْلَهُ بِزَمَانٍ. وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي السَّبَبِ الَّذِي سُمِّيَ بِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ ذَا ضَفِيرَتَيْنِ مِنْ شَعْرٍ فَسُمِّيَ بِهِمَا، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ وَغَيْرُهُ. وَالضَّفَائِرُ قُرُونُ الرَّأْسِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:(٦)فَلَثَمْتُ فَاهَا آخِذًا بِقُرُونِهَا ... شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ مَاءِ الْحَشْرَجِوَقِيلَ: إِنَّهُ رَأَى فِي أَوَّلِ مُلْكِهِ كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَى قَرْنَيِ الشَّمْسِ، فَقَصَّ ذَلِكَ، فَفُسِّرَ أَنَّهُ سَيَغْلِبُ مَا ذَرَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ ذَا الْقَرْنَيْنِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ بَلَغَ الْمَغْرِبَ وَالْمَشْرِقَ فَكَأَنَّهُ حَازَ قَرْنَيِ الدُّنْيَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ لَمَّا بَلَغَ مَطْلَعَ الشَّمْسِ كَشَفَ بِالرُّؤْيَةِ قُرُونَهَا فَسُمِّيَ بِذَلِكَ ذَا الْقَرْنَيْنِ، أَوْ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ بِهَا. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ لَهُ قَرْنَانِ تَحْتَ عِمَامَتِهِ. وَسَأَلَ ابْنُ الْكَوَّاءِ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنْ ذِي القرنين انبئا كَانَ أَمْ مَلِكًا؟ فَقَالَ: لَا ذَا وَلَا ذَا، كَانَ عَبْدًا صَالِحًا دَعَا قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَشَجُّوهُ عَلَى قَرْنِهِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ فَشَجُّوهُ عَلَى قَرْنِهِ الْآخَرِ، فَسُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي وَقْتِ زَمَانِهِ، فَقَالَ قَوْمٌ: كَانَ بَعْدَ مُوسَى. وَقَالَ قَوْمٌ: كَانَ فِي الْفَتْرَةِ بَعْدَ عِيسَى وَقِيلَ: كَانَ فِي وَقْتِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ. وَكَانَ الْخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَاحِبَ لِوَائِهِ الْأَعْظَمِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي "الْبَقَرَةِ"(٧). وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَكَّنَهُ وَمَلَّكَهُ وَدَانَتْ لَهُ الْمُلُوكُ، فَرُوِيَ أَنَّ جَمِيعَ مُلُوكِ الدُّنْيَا كُلِّهَا أَرْبَعَةٌ: مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ، فَالْمُؤْمِنَانِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وإسكندر، والكافران نمروذ وبخت نصر، وَسَيَمْلِكُهَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَامِسٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾(٨) [التوبة: ٣٣] وَهُوَ الْمَهْدِيُّ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِأَنَّهُ كَانَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ شَرِيفٍ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ انْقَرَضَ فِي وَقْتِهِ قَرْنَانِ مِنَ النَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا قَاتَلَ قَاتَلَ بِيَدَيْهِ وَرِكَابَيْهِ جَمِيعًا. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ دَخَلَ الظُّلْمَةَ وَالنُّورَ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مَلَكَ فَارِسَ وَالرُّومَ.قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (سُخِّرَ لَهُ السَّحَابُ، وَمُدَّتْ لَهُ الْأَسْبَابُ، وَبُسِطَ لَهُ فِي النُّورِ، فَكَانَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ عَلَيْهِ سَوَاءً. وَفِي حَدِيثِ عقبة ابن عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ سَأَلُوهُ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ: (إِنَّ أَوَّلَ أَمْرِهِ كَانَ غُلَامًا مِنَ الرُّومِ فَأُعْطِيَ مُلْكًا فَسَارَ حَتَّى أَتَى أَرْضَ مِصْرَ فَابْتَنَى بِهَا مَدِينَةً يُقَالُ لَهَا الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ فَلَمَّا فَرَغَ أَتَاهُ مَلَكٌ فَعَرَجَ بِهِ فَقَالَ لَهُ انْظُرْ مَا تَحْتَكَ قَالَ أَرَى مَدِينَتِي وَحْدَهَا لَا أَرَى غَيْرَهَا فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ تِلْكَ الْأَرْضُ كُلَّهَا وَهَذَا السَّوَادُ الَّذِي تَرَاهُ مُحِيطًا بِهَا هُوَ الْبَحْرُ وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُرِيكَ الْأَرْضَ وَقَدْ جَعَلَ لَكَ سُلْطَانًا فِيهَا فَسِرْ فِي الْأَرْضِ. فَعَلِّمِ الْجَاهِلَ وَثَبِّتِ الْعَالِمَ) الْحَدِيثَ.قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ قَالَ ابْنُ عباس: من كل شي عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إِلَى مَا يُرِيدُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: بَلَاغًا إِلَى حَيْثُ أَرَادَ. وَقِيلَ: مِنْ كل شي يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شي يَسْتَعِينُ بِهِ الْمُلُوكُ مِنْ فَتْحِ الْمَدَائِنِ وَقَهْرِ الْأَعْدَاءِ. وَأَصْلُ السَّبَبِ الْحَبْلُ فَاسْتُعِيرَ لِكُلِ مَا يتوصل به إلى شي.(فَأَتْبَعَ سَبَباً) قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "فَأَتْبَعَ سَبَبًا" مَقْطُوعَةُ الْأَلِفِ. وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو عَمْرٍو: "فَاتَّبَعَ سَبَبًا" بِوَصْلِهَا، أَيِ اتَّبَعَ سَبَبًا مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي أُوتِيَهَا. قَالَ الْأَخْفَشُ: تَبِعْتُهُ وَأَتْبَعْتُهُ بِمَعْنًى، مِثْلُ رَدَفْتُهُ وَأَرْدَفْتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ ١٠﴾(٩) [الصافات: ١٠] وَمِنْهُ الْإِتْبَاعُ فِي الْكَلَامِ مِثْلُ حَسَنٌ بَسَنٌ وَقَبِيحٌ شَقِيحٌ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ قراءة أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ: لِأَنَّهَا مِنَ السَّيْرِ، وَحَكَى هُوَ وَالْأَصْمَعِيُّ أَنَّهُ يُقَالُ: تَبِعَهُ وَاتَّبَعَهُ إِذَا سَارَ وَلَمْ يَلْحَقْهُ، وَأَتْبَعَهُ إِذَا لَحِقَهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَمِثْلُهُ، "فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ٦٠"(١٠). قَالَ النَّحَّاسُ: وهذا [من(١١) التَّفْرِيقُ وَإِنْ كَانَ الْأَصْمَعِيُّ قَدْ حَكَاهُ لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِعِلَّةٍ أَوْ دَلِيلٍ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وجل: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ٦٠﴾ [الشعراء: ٦٠] لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ لَحِقُوهُمْ، وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ لَمَّا خَرَجَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْبَحْرِ وَحَصَّلَ فِرْعَوْنُ وَأَصْحَابُهُ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ الْبَحْرُ. وَالْحَقُّ فِي هَذَا أَنَّ تَبِعَ وَاتَّبَعَ وَأَتْبَعَ لُغَاتٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهِيَ بِمَعْنَى السَّيْرِ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ لَحَاقٌ وَأَلَّا يَكُونَ.(حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) قَرَأَ ابْنُ عَاصِمٍ وَعَامِرٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "حَامِيَةٍ" أَيْ حَارَّةٍ. الْبَاقُونَ "حَمِئَةٍ" أَيْ كَثِيرَةِ الْحَمْأَةِ وَهِيَ الطِّينَةُ السَّوْدَاءُ، تَقُولُ: حَمَأْتُ الْبِئْرَ حَمْأً (بِالتَّسْكِينِ) إِذَا نَزَعْتُ حَمْأَتَهَا. وحميت الْبِئْرُ حَمَأً (بِالتَّحْرِيكِ) كَثُرَتْ حَمْأَتُهَا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "حَامِيَةٍ" مِنَ الْحَمْأَةِ فَخُفِّفَتِ الْهَمْزَةُ وَقُلِبَتْ يَاءً. وَقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ فَيُقَالُ: كَانَتْ حَارَّةً وَذَاتَ حَمْأَةٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الشَّمْسِ حِينَ غَرَبَتْ، فَقَالَ: (نَارُ اللَّهِ الْحَامِيَةُ لَوْلَا مَا يَزَعُهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ لَأَحْرَقَتْ مَا عَلَى الْأَرْضِ). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَقْرَأَنِيهَا أُبَيٌّ كَمَا أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ"، وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هِيَ "حَامِيَةٌ" فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: فَأَنَا مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَجَعَلُوا كَعْبًا بَيْنَهُمْ حَكَمًا وَقَالُوا: يَا كَعْبُ كَيْفَ تَجِدُ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ؟ فَقَالَ: أَجِدُهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ سَوْدَاءَ، فَوَافَقَ ابْنَ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الشَّاعِرُ وَهُوَ تُبَّعٌ الْيَمَانِيُّ:قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ قَبْلِي مُسْلِمًا ... مَلِكًا تَدِينُ لَهُ الْمُلُوكُ وَتَسْجُدْبَلَغَ الْمَغَارِبَ وَالْمَشَارِقَ يَبْتَغِي ... أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدْفَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِهَا ... فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدْ(١٢)الْخُلُبُ: الطِّينُ. وَالثَّأْطُ: الْحَمْأَةُ. وَالْحَرْمَدُ: الْأَسْوَدُ. وَقَالَ الْقَفَّالُ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ الْمُرَادُ أنه انتهى إلى الشمس مغربا ومشرقا حتى وصل إلى جرمها ومسها، لأنها تدور مَعَ السَّمَاءِ حَوْلَ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَلْتَصِقْ بِالْأَرْضِ، وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَدْخُلَ فِي عَيْنٍ مِنْ عُيُونِ الْأَرْضِ، بَلْ هِيَ أَكْبَرُ مِنَ الْأَرْضِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى آخِرِ الْعِمَارَةِ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، فَوَجَدَهَا فِي رَأْيِ الْعَيْنِ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، كَمَا أَنَّا نُشَاهِدُهَا فِي الْأَرْضِ الْمَلْسَاءِ كَأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي الْأَرْضِ، وَلِهَذَا قَالَ: "وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً ٩٠" وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا تَطْلُعُ عَلَيْهِمْ بِأَنْ تُمَاسَّهُمْ وَتُلَاصِقَهُمْ، بَلْ أَرَادَ(١٣) أَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ تَطْلُعُ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْعَيْنُ مِنَ الْبَحْرِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ تَغِيبُ وَرَاءَهَا أَوْ مَعَهَا أَوْ عِنْدَهَا، فَيُقَامُ حَرْفُ الصِّفَةِ مَقَامَ صَاحِبِهِ وَاللَّهِ أَعْلَمُ.(وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً) أَيْ عِنْدَ الْعَيْنِ، أَوْ عِنْدَ نِهَايَةِ الْعَيْنِ، وَهُمْ أَهْلُ جابرس، وَيُقَالُ لَهَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ: جرجيسا، يَسْكُنُهَا قَوْمٌ مِنْ نَسْلِ ثَمُودَ(١٤) بَقِيَّتُهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِصَالِحٍ، ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ. وَقَالَ وَهْبُ ابن مُنَبِّهٍ: (كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ رَجُلًا مِنَ الرُّومِ ابْنَ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِهِمْ لَيْسَ لَهَا وَلَدٌ غَيْرُهُ وَكَانَ اسْمُهُ الْإِسْكَنْدَرُ، فَلَمَّا بَلَغَ وَكَانَ عَبْدًا صَالِحًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ! إِنِّي بَاعِثُكَ إِلَى أُمَمِ الْأَرْضِ وَهُمْ أُمَمٌ مُخْتَلِفَةٌ أَلْسِنَتُهُمْ، وَهُمْ أُمَمُ جَمِيعِ الْأَرْضِ، وَهُمْ أَصْنَافٌ: أُمَّتَانِ بَيْنَهُمَا طُولُ الْأَرْضِ كُلُّهُ، وَأُمَّتَانِ بَيْنَهُمَا عُرْضُ الْأَرْضِ كُلُّهُ، وَأُمَمٌ فِي وَسَطِ الْأَرْضِ مِنْهُمُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، فَأَمَّا اللَّتَانِ بَيْنَهُمَا طُولُ الْأَرْضِ فَأُمَّةٌ عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ يُقَالُ لَهَا نَاسُكُ، وَأَمَّا الْأُخْرَى فَعِنْدَ مَطْلَعِهَا وَيُقَالُ لَهَا مَنْسَكُ. وَأَمَّا اللَّتَانِ بَيْنَهُمَا عُرْضُ الْأَرْضِ فَأُمَّةٌ فِي قُطْرِ الْأَرْضِ الْأَيْمَنِ يُقَالُ لَهَا هَاوِيلُ، وَأَمَّا الْأُخْرَى الَّتِي فِي قُطْرِ الْأَرْضِ الْأَيْسَرِ يُقَالُ لَهَا تَاوِيلُ. فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ: إِلَهِي! قَدْ نَدَبْتَنِي لِأَمْرٍ عَظِيمٍ لَا يَقْدِرُ قَدْرَهُ إِلَّا أَنْتَ، فَأَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الْأُمَمِ بِأَيِ قُوَّةٍ أُكَاثِرُهُمْ؟ وَبِأَيِّ صَبْرٍ أُقَاسِيهِمْ؟ وَبِأَيِ لِسَانٍ أُنَاطِقُهُمْ؟ فَكَيْفَ لِي بِأَنْ أَفْقَهَ لُغَتَهُمْ وَلَيْسَ عِنْدِي قُوَّةٌ؟ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: سَأُظَفِّرُكَ بِمَا حَمَّلْتُكَ، أَشْرَحُ لَكَ صدرك فتسمع كل شي، وأثبت لك فهمك فتفقه كل شي، وألبسك الهيبة فلا يروعك شي، وَأُسَخِّرُ لَكَ النُّورَ وَالظُّلْمَةَ فَيَكُونَانِ جُنْدًا مِنْ جُنُودِكَ، يَهْدِيكَ النُّورُ مِنْ أَمَامِكَ، وَتَحْفَظُكَ الظُّلْمَةُ مِنْ وَرَائِكَ. فَلَمَّا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ سَارَ بِمَنِ اتَّبَعَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى الْأُمَّةِ الَّتِي عِنْدَ مغرب الشمس، لأنها كَانَتْ أَقْرَبُ الْأُمَمِ مِنْهُ وَهِيَ نَاسُكُ، فَوَجَدَ جُمُوعًا لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَقُوَّةً وَبَأْسًا لَا يُطِيقُهُ إِلَّا اللَّهُ. وَأَلْسِنَةً مُخْتَلِفَةً، وَأَهْوَاءً مُتَشَتِّتَةً فَكَاثَرَهُمْ بِالظُّلْمَةِ، فَضَرَبَ حَوْلَهُمْ ثَلَاثَ عَسَاكِرَ مِنْ جُنْدِ الظُّلْمَةِ قَدْرَ مَا أَحَاطَ بِهِمْ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، حَتَّى جَمَعَتْهُمْ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ بِالنُّورِ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى عِبَادَتِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَصَدَّ عَنْهُ، فَأَدْخَلَ عَلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا الظُّلْمَةَ فَغَشِيَتْهُمْ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَدَخَلَتْ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ وَأَنُوفِهِمْ وَأَعْيُنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ وَغَشِيَتْهُمْ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَتَحَيَّرُوا وَمَاجُوا وَأَشْفَقُوا أَنْ يَهْلِكُوا، فَعَجُّوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِصَوْتٍ وَاحِدٍ: إِنَّا آمَنَّا، فَكَشَفَهَا عَنْهُمْ، وَأَخَذَهُمْ عَنْوَةً، وَدَخَلُوا فِي دَعْوَتِهِ، فَجَنَّدَ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ أُمَمًا عَظِيمَةً فَجَعَلَهُمْ جُنْدًا وَاحِدًا، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِمْ يَقُودُهُمْ، وَالظُّلْمَةُ تَسُوقُهُمْ وَتَحْرُسُهُ مِنْ خلفه، والنور أمامه يَقُودُهُ وَيَدُلُّهُ، وَهُوَ يَسِيرُ فِي نَاحِيَةِ الْأَرْضِ الْيُمْنَى يُرِيدُ الْأُمَّةَ الَّتِي فِي قُطْرِ الْأَرْضِ الْأَيْمَنِ وَهِيَ هَاوِيلُ، وَسَخَّرَ اللَّهُ تَعَالَى يَدَهُ وَقَلْبَهُ وَعَقْلَهُ وَنَظَرَهُ فَلَا يُخْطِئُ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا، فَإِذَا أَتَوْا مَخَاضَةً أَوْ بَحْرًا بَنَى سُفُنًا مِنْ أَلْوَاحٍ صِغَارٍ مِثْلِ النِّعَالِ فَنَظَمَهَا فِي سَاعَةٍ، ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا جَمِيعَ مَنْ مَعَهُ مِنْ تِلْكَ الْأُمَمِ، فَإِذَا قَطَعَ الْبِحَارَ وَالْأَنْهَارَ فَتَقَهَا وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ لَوْحًا فَلَا يَكْتَرِثُ بِحَمْلِهِ، فَانْتَهَى إِلَى هَاوِيلَ وَفَعَلَ بِهِمْ كَفِعْلِهِ بِنَاسِكَ فَآمَنُوا، فَفَرَغَ مِنْهُمْ، وَأَخَذَ جُيُوشَهُمْ وَانْطَلَقَ إِلَى نَاحِيَةِ الْأَرْضِ الْأُخْرَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَنْسَكٍ عِنْدَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ، فَعَمِلَ فِيهَا وَجَنَّدَ مِنْهَا جُنُودًا كَفِعْلِهِ فِي الْأُولَى، ثُمَّ كَرَّ مُقْبِلًا حَتَّى أَخَذَ نَاحِيَةَ الْأَرْضِ الْيُسْرَى يُرِيدُ تَاوِيلَ، وَهِيَ الْأُمَّةُ الَّتِي تُقَابِلُ هَاوِيلَ بَيْنَهُمَا عُرْضُ الْأَرْضِ، فَفَعَلَ فِيهَا كَفِعْلِهِ فِيمَا قَبْلَهَا، ثُمَّ عَطَفَ إِلَى الْأُمَمِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ الْإِنْسِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ مِمَّا يَلِي مُنْقَطَعَ التُّرْكِ مِنَ الْمَشْرِقِ قَالَتْ لَهُ أُمَّةٌ صَالِحَةٌ مِنَ الْإِنْسِ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ! إِنَّ بَيْنَ هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ خَلْقًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى كَثِيرًا لَيْسَ لَهُمْ عَدَدٌ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مُشَابَهَةٌ مِنَ الْإِنْسِ، وَهُمْ أَشْبَاهُ الْبَهَائِمِ، يَأْكُلُونَ الْعُشْبَ، وَيَفْتَرِسُونَ الدَّوَابَّ وَالْوَحْشَ كَمَا تَفْتَرِسُهَا السِّبَاعُ، وَيَأْكُلُونَ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ كُلَّهَا مِنَ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَالْوَزَغِ وَكُلَّ ذِي رُوحٍ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى خَلْقٌ يَنْمُو نَمَاءَهُمْ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ، فَإِنْ طالت المدة فَسَيَمْلَئُونَ الْأَرْضَ، وَيُجْلُونَ أَهْلَهَا فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا؟ ذكر الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي مِنْ صِفَةِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَالتُّرْكِ إِذْ هُمْ نَوْعٌ مِنْهُمْ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ. قوله تعالى: (قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ) قَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَهُوَ وَحْيٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا فَهُوَ إِلْهَامٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.(إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ: خَيَّرَهُ بَيْنَ هَذَيْنِ كَمَا خَيَّرَ مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالَ: ﴿فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾(١٥) [المائدة: ٤٢] وَنَحْوَهُ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَهُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ، قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَدَّ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ نَبِيٌّ فَيُخَاطَبُ بِهَذَا، فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ"؟ وَكَيْفَ يَقُولُ: "فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ" فيخاطبه بِالنُّونِ؟ قَالَ: التَّقْدِيرُ، قُلْنَا يَا مُحَمَّدُ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ لَا يَلْزَمُ منه شي. أما قوله: "قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ" فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَاطَبَهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ فِي وَقْتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَالَ لَهُ هَذَا كَمَا قَالَ لنبيه: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً﴾(١٦) [محمد: ٤]، وَأَمَّا إِشْكَالُ "فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ" فإن تقديره أن الله تعالى خَيَّرَهُ بَيْنَ الْقَتْلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ" وبين الاستبقاء في قوله عز وجل: "وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً". قَالَ لِأُولَئِكَ القوم: (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ) أي أَقَامَ عَلَى الْكُفْرِ مِنْكُمْ، (فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) أَيْ بِالْقَتْلِ: (ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ) أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: (فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً) أَيْ شَدِيدًا فِي جهنم.(وَأَمَّا مَنْ آمَنَ) أي تاب من الكفر: (وَعَمِلَ صالِحاً) قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: (إِنَّ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ فِي (إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) قَالَ: وَلَوْ رَفَعْتَ كَانَ صَوَابًا بِمَعْنَى فَإِمَّا هُوَ، كَمَا قَالَ:فَسِيرَا فَإِمَّا حَاجَةٌ تَقْضِيَانِهَا ... وَإِمَّا مُقِيلٌ صَالِحٌ وَصَدِيقُ(فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى) قِرَاءَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَبِي عَمْرٍو وَعَاصِمٍ: "فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى " بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِأَوْ بِالِاسْتِقْرَارِ. وَ "الْحُسْنى " فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالْإِضَافَةِ وَيُحْذَفُ التَّنْوِينُ لِلْإِضَافَةِ، أَيْ لَهُ جَزَاءُ الْحُسْنَى عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ وَهِيَ الْجَنَّةُ، فَأَضَافَ الْجَزَاءَ إِلَى الْجَنَّةِ، كَقَوْلِهِ:  ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾(١٧) [الواقعة: ٩٥]، ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ ١٠﴾(١٨) [الانعام: ٣٢]، قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِ "الْحُسْنى " الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ مِنْ ذي القرنين، أي أعطيته وَأَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُحْذَفَ التَّنْوِينُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَيَكُونُ "الْحُسْنى " فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الْبَدَلِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَعَلَى التَّرْجَمَةِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ، وَعَلَى هَذَا قِرَاءَةُ ابْنِ أَبِي إِسْحَاقَ "فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى" إِلَّا أَنَّكَ لَمْ تَحْذِفِ التَّنْوِينَ، وَهُوَ أَجْوَدُ. وَقَرَأَ سَائِرُ الْكُوفِيِّينَ "فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى" مَنْصُوبًا مُنَوَّنًا، أَيْ فَلَهُ الْحُسْنَى جَزَاءً. قَالَ الْفَرَّاءُ: "جَزاءُ" مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ. وَقِيلَ: عَلَى الْمَصْدَرِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ مَجْزِيًّا بِهَا جَزَاءً. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٌ: "فَلَهُ جَزَاءَ الْحُسْنَى" مَنْصُوبًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ وَهِيَ عِنْدَ أَبِي حَاتِمٍ عَلَى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ مِثْلُ "فَلَهُ جَزَاءَ الحسنى" في أحد الوجهين [في الرفع(١٩). النَّحَّاسُ: وَهَذَا عِنْدَ غَيْرِهِ خَطَأٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعُ حَذْفِ تَنْوِينٍ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: فَلَهُ الثَّوَابُ جَزَاءَ الْحُسْنَى.قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ أَنَّ أَتْبَعَ وَاتَّبَعَ بمعنى أي سلك طريقا ومنازل.(حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ) ٩٠ وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ، يُقَالُ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَالْكَوَاكِبُ طُلُوعًا وَمَطْلِعًا. وَالْمَطْلَعُ وَالْمَطْلِعُ أَيْضًا مَوْضِعُ طُلُوعِهَا قاله الجوهري. الْمَعْنَى: أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى مَوْضِعِ قَوْمٍ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ وَرَاءَ ذَلِكَ بِمَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ فهذا معنى قوله تعالى: (وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ) ٩٠. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِمْ، فَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّهَا أُمَّةٌ يُقَالُ لَهَا مَنْسَكُ وَهِيَ مُقَابِلَةُ نَاسِكَ، وَقَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُقَالُ لَهُمَا(٢٠): الزِّنْجُ وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمْ تَارِسُ وَهَاوِيلُ وَمَنْسَكُ، حُفَاةً عُرَاةً عُمَاةً عَنِ الْحَقِّ، يَتَسَافَدُونَ مِثْلَ الْكِلَابِ، وَيَتَهَارَجُونَ تَهَارُجَ الْحُمُرِ. وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ جابلق وَهُمْ مِنْ نَسْلِ مُؤْمِنِي عَادٍ الَّذِينَ آمَنُوا بِهُودٍ، وَيُقَالُ لَهُمْ بِالسُّرْيَانِيَّةِ مرقيسا. وَالَّذِينَ عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ هُمْ أَهْلُ جابرس(٢١)، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَدِينَتَيْنِ عَشَرَةُ آلَافِ باب، وبين كل بابين فَرْسَخٌ. وَوَرَاءَ جابلق أُمَمٌ وَهُمْ تَافِيلُ(٢٢) وَتَارِسُ وهم يجاورون يأجوج ومأجوج.وَأَهْلُ جابرس وَجابلق آمَنُوا بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (مَرَّ بِهِمْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَدَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ، وَدَعَا الْأُمَمَ الْآخَرِينَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ)، ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ وَقَالَ: اخْتَصَرْتُ هَذَا كُلَّهُ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ رَوَاهُ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ عَنْ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مُسْنَدًا إِلَى مُقَاتِلٍ يَرْفَعُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً﴾ ٩٠ أَيْ حِجَابًا يَسْتَتِرُونَ مِنْهَا عِنْدَ طُلُوعِهَا. قَالَ قَتَادَةُ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ وبين الشمس ستر، كَانُوا فِي مَكَانٍ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ بِنَاءٌ، وَهُمْ يَكُونُونَ فِي أَسْرَابٍ لَهُمْ، حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْهُمْ رَجَعُوا إِلَى مَعَايِشِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ، يَعْنِي لَا يَسْتَتِرُونَ مِنْهَا بِكَهْفِ جَبَلٍ وَلَا بَيْتٍ يُكِنُّهُمْ مِنْهَا. وَقَالَ أُمَيَّةُ: وَجَدْتُ رِجَالًا بِسَمَرْقَنْدَ يُحَدِّثُونَ النَّاسَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَرَجْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الصِّينَ، فَقِيلَ لِي: إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَاسْتَأْجَرْتُ رَجُلًا يُرِينِيهِمْ حَتَّى صَبَّحْتُهُمْ، فَوَجَدْتُ أَحَدَهُمْ يَفْتَرِشُ أُذُنَهُ وَيَلْتَحِفُ بِالْأُخْرَى وَكَانَ صَاحِبِي يُحْسِنُ كَلَامَهُمْ، فَبِتْنَا بِهِمْ، فَقَالُوا: فِيمَ جِئْتُمْ؟ قُلْنَا: جِئْنَا نَنْظُرَ كَيْفَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعْنَا كَهَيْئَةِ الصَّلْصَلَةِ، فَغُشِيَ عَلَيَّ ثُمَّ أَفَقْتُ وَهُمْ يَمْسَحُونَنِي بِالدُّهْنِ، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى الْمَاءِ إِذْ هِيَ عَلَى الْمَاءِ كَهَيْئَةِ الزَّيْتِ، وَإِذَا طَرَفُ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الْفُسْطَاطِ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتْ أَدْخَلُونِي سَرَبًا لَهُمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ وَزَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ رؤوسهم خَرَجُوا يَصْطَادُونَ السَّمَكَ، فَيَطْرَحُونَهُ فِي الشَّمْسِ فَيَنْضَجُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: جَاءَهُمْ جَيْشٌ مَرَّةً، فَقَالَ لَهُمْ أَهْلُهَا: لَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ وَأَنْتُمْ بِهَا، فقالوا: ما نبرح حتى تطلع الشمس. قَالُوا: مَا هَذِهِ الْعِظَامُ؟ قَالُوا: هَذِهِ وَاللَّهِ عِظَامُ جَيْشٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ هَاهُنَا فَمَاتُوا. قَالَ فَوَلَّوْا هَارِبِينَ فِي الْأَرْضِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَتْ أَرْضُهُمْ لَا جَبَلَ فِيهَا وَلَا شَجَرَ، وَكَانَتْ لَا تَحْمِلُ الْبِنَاءَ، فَإِذَا طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ نَزَلُوا(٢٣) فِي الْمَاءِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ عَنْهُمْ خَرَجُوا، فَيَتَرَاعَوْنَ كَمَا تَتَرَاعَى الْبَهَائِمُ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ تَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا مَدِينَةَ هُنَاكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرُبَّمَا يَكُونُ مِنْهُمْ مَنْ يَدْخُلُ فِي النَّهْرِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْخُلُ فِي السَّرَبِ فلا تناقض بين قول الحسن وقتادة.

(١) من ج وك وى.]
(٢) من ج وك وى.]
(٣) في ج: عفوا.
(٤) كذا في الأصول وفي قصص الأنبياء الثعلبي (رفائيل) وفي الدر المنثور (زرافيل).
(٥) الساهرة: أرض يجددها الله يوم القيامة.
(٦) هو عمر بن أبي ربيعة والنزيف: المحموم الذي منع من الماء والسكران. والحشرج: النقرة في الجبل يجتمع فيها الماء فيصفو، والكوز الصغير اللطيف أيضا.
(٧) راجع ج ٣ ص ٢٨٩.
(٨) راجع ج ٨ ص ١٢٨ وص ٢٩١. وج ١٨ ص ٨٦.
(٩) راجع ج ١٥ ص ٦٤.
(١٠) راجع ج ١٣ ص ١٠٥.
(١١) من ك.]
(١٢) حرمد (بالفتح والكسر) كجعفر وزبرج.
(١٣) في ك: المراد.
(١٤) في ك: هود. ولعله خطأ من الناسخ.
(١٥) راجع ج ٦ ص ١٨٢ فما بعد.
(١٦) راجع ج ١٦ ص ٢٢٥ فما بعد.
(١٧) راجع ج ١٧ ص ٢٣٢.
(١٨) راجع ج ١٠ ص ١٠٠
(١٩) كذا في ك وى.]
(٢٠) في ك: إنهم.
(٢١) في ج: جابرلقا. جابرسا.
(٢٢) كذا في الأصول. وتقدم تأويل. ولعل هذا تحريف من النساخ.
(٢٣) في ك: تهربوا.

(تفسير القرطبي — القرطبي (٦٧١ هـ))

السبت، 13 مايو 2023

من سورة الكهف

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ٧٩_٨٢
من سورة الكهف 
﴿أَمَّا ٱلسَّفِینَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَـٰكِینَ یَعۡمَلُونَ فِی ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِیبَهَا وَكَانَ وَرَاۤءَهُم مَّلِكࣱ یَأۡخُذُ كُلَّ سَفِینَةٍ غَصۡبࣰا (٧٩) وَأَمَّا ٱلۡغُلَـٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَیۡنِ فَخَشِینَاۤ أَن یُرۡهِقَهُمَا طُغۡیَـٰنࣰا وَكُفۡرࣰا (٨٠) فَأَرَدۡنَاۤ أَن یُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَیۡرࣰا مِّنۡهُ زَكَوٰةࣰ وَأَقۡرَبَ رُحۡمࣰا (٨١) وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَیۡنِ یَتِیمَیۡنِ فِی ٱلۡمَدِینَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزࣱ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحࣰا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن یَبۡلُغَاۤ أَشُدَّهُمَا وَیَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةࣰ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِیۚ ذَ ٰ⁠لِكَ تَأۡوِیلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَیۡهِ صَبۡرࣰا (٨٢)﴾ [الكهف ٧٩-٨٢]

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ اسْتَدَلَّ بِهَذَا مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمِسْكِينَ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ، وَقَدْ مَضَى هذا المعنى مستوفي في سورة "براءة"(١). وقد وقيل: إِنَّهُمْ كَانُوا تُجَّارًا وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ هُمْ مسافرون على قلت(٢) فِي لُجَّةِ بَحْرٍ، وَبِحَالِ ضَعْفٍ عَنْ مُدَافَعَةِ خَطْبٍ عَبَّرَ عَنْهُمْ بِمَسَاكِينَ، إِذْ هُمْ فِي حَالَةٍ يُشْفَقُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهَا، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ لِرَجُلٍ غَنِيٍّ وَقَعَ فِي وَهْلَةٍ أَوْ خَطْبٍ: مِسْكِينٌ. وَقَالَ كَعْبٌ وَغَيْرُهُ: كَانَتْ لِعَشَرَةِ إِخْوَةٍ مِنَ الْمَسَاكِينِ وَرِثُوهَا مِنْ أَبِيهِمْ خَمْسَةٌ زَمْنَى، وَخَمْسَةٌ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ. وَقِيلَ: كَانُوا سَبْعَةً لِكُلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَمَانَةٌ لَيْسَتْ بِالْآخَرِ. وَقَدْ ذَكَرَ النَّقَّاشُ أَسْمَاءَهُمْ، فَأَمَّا الْعُمَّالُ مِنْهُمْ فَأَحَدُهُمْ كَانَ مَجْذُومًا، وَالثَّانِي أَعْوَرَ، وَالثَّالِثُ أَعْرَجَ، وَالرَّابِعُ آدَرَ، وَالْخَامِسُ مَحْمُومًا لَا تَنْقَطِعُ عَنْهُ الْحُمَّى الدَّهْرَ كُلَّهُ وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ، وَالْخَمْسَةُ الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَ الْعَمَلَ: أَعْمَى وَأَصَمُّ وَأَخْرَسُ وَمُقْعَدٌ وَمَجْنُونٌ، وَكَانَ الْبَحْرُ الَّذِي يَعْمَلُونَ فِيهِ مَا بَيْنَ فَارِسَ وَالرُّومِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ: "لِمَسَّاكِينَ" بِتَشْدِيدِ السِّينِ، وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: هُمْ مَلَّاحُو السَّفِينَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَسَّاكَ هُوَ الَّذِي يَمْسِكُ رِجْلَ السَّفِينَةِ، وَكُلُّ الْخَدَمَةِ تَصْلُحُ لِإِمْسَاكِهِ فَسُمِّيَ الْجَمِيعُ مَسَّاكِينَ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: أَرَادَ بِالْمَسَّاكِينِ دَبَغَةَ الْمُسُوكِ وَهِيَ الْجُلُودُ وَاحِدُهَا مَسْكٌ. وَالْأَظْهَرُ قِرَاءَةُ: "مَسَاكِينَ" بِالتَّخْفِيفِ جَمْعُ مِسْكِينٍ، وَأَنَّ مَعْنَاهَا: إِنَّ السَّفِينَةَ لِقَوْمٍ ضُعَفَاءَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْفَقَ عَلَيْهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها﴾ أَيْ أَجْعَلَهَا ذَاتَ عَيْبٍ، يُقَالُ: عِبْتُ الشَّيْءَ فَعَابَ إِذَا صَارَ ذَا عَيْبٍ، فَهُوَ مَعِيبٌ وَعَائِبٌ. وَقَوْلُهُ: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ: (صَحِيحَةٍ) وَقَرَأَ أَيْضًا ابْنُ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ (صَالِحَةٍ). وَ (وَرَاءَ) أَصْلُهَا بِمَعْنَى خَلْفَ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهُ كَانَ خَلْفَهُ وَكَانَ رُجُوعُهُمْ عَلَيْهِ. وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى (وَرَاءَ) هُنَا أَمَامَ، يُعَضِّدُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ جُبَيْرٍ "وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَصْبًا". قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: "وَرَاءَهُمْ" هو عندي على بابه، وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجئ مُرَاعًى بِهَا الزَّمَانُ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدَثَ(٣) الْمُقَدَّمَ الْمَوْجُودَ هُوَ الْأَمَامُ، وَالَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ هُوَ الْوَرَاءُ وَهُوَ مَا خُلِّفَ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا يَظْهَرُ بَادِيَ الرَّأْيِ، وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِي مَوَاضِعِهَا حَيْثُ وَرَدَتْ تَجِدْهَا تَطَّرِدُ، فَهَذِهِ الْآيَةُ مَعْنَاهَا: إِنَّ هَؤُلَاءِ وَعَمَلُهُمْ وَسَعْيُهُمْ يَأْتِي بَعْدَهُ فِي الزَّمَانِ غَصْبُ هَذَا الْمَلِكِ، وَمَنْ قَرَأَ "أَمَامَهُمْ" أَرَادَ فِي الْمَكَانِ، أَيْ كَأَنَّهُمْ يَسِيرُونَ إِلَى بَلَدٍ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (الصَّلَاةُ أَمَامَكَ)(٤) يُرِيدُ فِي الْمَكَانِ، وَإِلَّا فَكَوْنُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ أَمَامَ الصَّلَاةِ فِي الزَّمَانِ، وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فَإِنَّهَا مُرِيحَةٌ مِنْ شَغَبِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَوَقَعَ لِقَتَادَةَ فِي كِتَابِ الطَّبَرِيِّ "وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ" قَالَ قَتَادَةُ: أَمَامَهُمْ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ ١٠"(٥) وَهِيَ بَيْنُ أَيْدِيهِمْ، وَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَهَذِهِ هِيَ الْعُجْمَةُ الَّتِي كَانَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ يَضِجُّ مِنْهَا، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. قُلْتُ: وَمَا اخْتَارَهُ هَذَا الْإِمَامُ قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ، قَالَ الْهَرَوِيُّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يَقُولُ الْقَائِلُ كَيْفَ قَالَ "مِنْ وَرَائِهِ" وَهِيَ أَمَامُهُ؟ فَزَعَمَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو عَلِيٍّ قُطْرُبٌ أَنَّ هَذَا مِنَ الْأَضْدَادِ، وَأَنَّ وَرَاءَ فِي مَعْنَى قُدَّامَ، وَهَذَا غَيْرُ مُحَصَّلٍ، لِأَنَّ أَمَامَ ضد وراء، وإنما يصلح هذا] في الأماكن(٦) والأوقات، كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ إِذَا وَعَدَ وَعْدًا فِي رَجَبٍ لِرَمَضَانَ ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ وَرَائِكَ شَعْبَانُ لَجَازَ وَإِنْ كَانَ أَمَامَهُ، لِأَنَّهُ يَخْلُفُهُ إِلَى وَقْتِ وَعْدِهِ، وَأَشَارَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا الْقُشَيْرِيُّ وَقَالَ: إِنَّمَا يُقَالُ هَذَا فِي الْأَوْقَاتِ، وَلَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ أَمَامَكَ إِنَّهُ وَرَاءَكَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَجَوَّزَهُ غَيْرُهُ، وَالْقَوْمُ مَا كَانُوا عَالِمِينَ بِخَبَرِ الْمَلِكِ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَضِرَ حَتَّى عَيَّبَ السَّفِينَةَ، وَذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي اسْتِعْمَالِ وَرَاءَ مَوْضِعَ أَمَامَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا- يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا بِكُلِّ حَالٍ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ قَالَ الله تعالى: ﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ ١٠﴾ [الجاثية: ١٠] أَيْ مِنْ أَمَامِهِمْ: وَقَالَ الشَّاعِرُ:(٧)أَتَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي ... وَقَوْمِي تَمِيمٌ وَالْفَلَاةُ وَرَائِيَايَعْنِي أَمَامِي. وَالثَّانِي- أَنَّ وَرَاءَ تُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعِ أَمَامَ فِي الْمَوَاقِيتِ وَالْأَزْمَانِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قد يَجُوزُهَا فَتَصِيرُ وَرَاءَهُ وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهَا. الثَّالِثُ- أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْأَجْسَامِ الَّتِي لَا وَجْهَ لَهَا كَحَجَرَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَرَاءَ الْآخَرِ وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِمَا، وَهَذَا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى. وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ هَذَا الْمَلِكِ فَقِيلَ: هُدَدُ بْنُ بُدَدَ. وَقِيلَ: الْجَلَنْدِيُّ، وَقَالَهُ السُّهَيْلِيُّ. وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ اسْمَ الْمَلِكِ الْآخِذِ لِكُلِّ سَفِينَةٍ غَصْبًا فَقَالَ: هُوَ [هُدَدُ بن بدد والغلام المقتول(٨) اسمه جيسور، وَهَكَذَا قَيَّدْنَاهُ فِي (الْجَامِعِ) مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ الْمَرْوَزِيِّ، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ حَيْسُورُ بِالْحَاءِ وَعِنْدِي فِي حَاشِيَةِ الْكِتَابِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: وَهِيَ حَيْسُونُ. وَكَانَ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ جَيِّدَةٍ غَصْبًا فَلِذَلِكَ عَابَهَا الْخَضِرُ وَخَرَقَهَا، فَفِي هَذَا مِنَ الْفِقْهِ الْعَمَلُ بِالْمَصَالِحِ إِذَا تَحَقَّقَ وَجْهُهَا، وَجَوَازُ إِصْلَاحِ كُلِّ الْمَالِ بِإِفْسَادِ بَعْضِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَجْهُ الْحِكْمَةِ بِخَرْقِ السَّفِينَةِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَإِذَا جَاءَ الَّذِي يُسَخِّرُهَا وَجَدَهَا مُنْخَرِقَةً فَتَجَاوَزَهَا، فَأَصْلَحُوهَا بِخَشَبَةٍ، الْحَدِيثَ. وَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا الْحَضُّ عَلَى الصَّبْرِ فِي الشَّدَائِدِ، فَكَمْ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ الْمَكْرُوهِ مِنَ الْفَوَائِدِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾(٩) [البقرة: ٢١٦].قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ ٨٠ جَاءَ فِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ: (أَنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا) وَهَذَا يُؤَيِّدُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُ مَعَ كونه بالغا، وقد تقدم. [هذا المعنى(١٠).قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما﴾ ٨٠ قِيلَ: هُوَ مِنْ كَلَامِ الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ سِيَاقُ الْكَلَامِ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، أَيْ خِفْنَا (أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً) ٨٠، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ أَبَاحَ لَهُ الِاجْتِهَادَ فِي قَتْلِ النُّفُوسِ عَلَى هَذِهِ الْجِهَةِ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْهُ عَبَّرَ الْخَضِرُ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَاهُ فَعَلِمْنَا، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْ فَعَلِمْنَا، وَهَذَا كَمَا كَنَّى عَنِ الْعِلْمِ بِالْخَوْفِ فِي قَوْلِهِ ﴿إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾(١١) [البقرة: ٢٢٩]. وَحُكِيَ أَنَّ أُبَيًّا قَرَأَ: "فَعَلِمَ رَبُّكَ" وَقِيلَ: الْخَشْيَةُ بِمَعْنَى الْكَرَاهَةِ، يُقَالُ: فَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا خَشْيَةَ أن يَقْتَتِلَا، أَيْ كَرَاهَةَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي تَوْجِيهِ هَذَا التَّأْوِيلِ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ يُدَافِعهُ أَنَّهَا اسْتِعَارَةٌ، أَيْ عَلَى ظَنِّ الْمَخْلُوقِينَ وَالْمُخَاطَبِينَ لَوْ عَلِمُوا حَالَهُ لَوَقَعَتْ مِنْهُمْ خَشْيَةُ الرَّهَقِ لِلْأَبَوَيْنِ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ "فَخَافَ رَبُّكَ" وَهَذَا بَيِّنٌ فِي الِاسْتِعَارَةِ، وَهَذَا نَظِيرُ مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ فِي جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ لَعَلَّ وَعَسَى وَأَنَّ جَمِيعَ مَا فِي هَذَا كُلِّهِ مِنْ تَرَجٍّ وَتَوَقُّعٍ وَخَوْفٍ وَخَشْيَةٍ إِنَّمَا هُوَ بِحَسْبِكُمْ أَيُّهَا المخاطبون. و "يُرْهِقَهُما ٨٠" يُجَشِّمُهُمَا وَيُكَلِّفُهُمَا، وَالْمَعْنَى أَنْ يُلْقِيَهُمَا حُبُّهُ فِي اتِّبَاعِهِ فَيَضِلَّا وَيَتَدَيَّنَا بِدِينِهِ.قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما﴾ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَشَدِّ الدَّالِّ، وَقَرَأَ عَاصِمٌ بِسُكُونِ الْبَاءِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ، أَيْ أَنْ يَرْزُقَهُمَا اللَّهُ وَلَدًا.(خَيْراً مِنْهُ زَكاةً) أَيْ دِينًا وَصَلَاحًا، يُقَالُ: بَدَّلَ وَأَبْدَلَ مِثْلُ مَهَّلَ وَأَمْهَلَ وَنَزَّلَ وَأَنْزَلَ.(وَأَقْرَبَ رُحْماً) قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ "رُحُمًا" بِالضَّمِّ، قَالَ الشَّاعِرُ:وَكَيْفَ بِظُلْمِ جَارِيَةٍ ... وَمِنْهَا اللِّينُ وَالرُّحُمُالْبَاقُونَ بِسُكُونِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ:يَا مُنْزِلَ الرُّحْمِ عَلَى إِدْرِيسَا ... وَمُنْزِلَ اللَّعْنِ على إبليساواختلف عن أبي عمرو. و "رُحْماً" مَعْطُوفٌ عَلَى "زَكاةً" أَيْ رَحْمَةً، يُقَالُ: رَحِمَهُ رَحْمَةً وَرُحْمًا، وَأَلِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ، وَمُذَكَّرُهُ رُحْمٌ. وَقِيلَ: إن الرُّحْمُ هُنَا بِمَعْنَى الرَّحِمِ، قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ. "وَأَوْصَلَ رُحْمًا" أَيْ رَحِمًا، وَقَرَأَ أَيْضًا "أَزْكَى مِنْهُ". وَعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُمَا بُدِّلَا جَارِيَةً، قَالَ الْكَلْبِيُّ فَتَزَوَّجَهَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَوَلَدَتْ لَهُ نَبِيًّا فَهَدَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ. قَتَادَةُ: وَلَدَتِ اثَّنَيْ عَشَرَ نَبِيًّا، وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَيْضًا أَنَّ أُمَّ الْغُلَامِ يَوْمَ قُتِلَ كَانَتْ حَامِلًا بِغُلَامٍ مُسْلِمٍ وَكَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَوَلَدَتْ جَارِيَةً وَلَدَتْ نَبِيًّا، وَفِي رِوَايَةٍ: أَبْدَلَهُمَا اللَّهُ بِهِ جَارِيَةً وَلَدَتْ سَبْعِينَ نَبِيًّا، وَقَالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَهَذَا بَعِيدٌ وَلَا تُعْرَفُ كَثْرَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ تَهْوِينُ الْمَصَائِبِ بِفَقْدِ الْأَوْلَادِ وَإِنْ كَانُوا قِطَعًا مِنَ الْأَكْبَادِ، وَمَنْ سَلَّمَ لِلْقَضَاءِ أَسْفَرَتْ عَاقِبَتُهُ عَنِ الْيَدِ الْبَيْضَاءِ. قَالَ قَتَادَةُ: لَقَدْ فَرِحَ بِهِ أَبَوَاهُ حِينَ وُلِدَ وَحَزِنَا عَلَيْهِ حِينَ قُتِلَ، وَلَوْ بَقِيَ كَانَ فِيهِ هَلَاكُهُمَا. فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ قَضَاءَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ فِيمَا يَكْرَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ قَضَائِهِ لَهُ فِيمَا يُحِبُّ.قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ﴾ هَذَانِ الْغُلَامَانِ صَغِيرَانِ بِقَرِينَةِ وَصْفِهِمَا بِالْيُتْمِ، وَاسْمُهُمَا أَصْرَمُ وَصَرِيمٌ(١٢). وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (لَا يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ) هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِمَا اسْمُ الْيُتْمِ بَعْدَ الْبُلُوغِ إِنْ كَانَا يَتِيمَيْنِ، عَلَى مَعْنَى الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ(١٣) أَنَّ الْيُتْمَ فِي النَّاسِ مِنْ قِبَلِ فَقْدِ الْأَبِ، وَفِي غَيْرِهِمْ مِنَ الْحَيَوَانِ مِنْ قِبَلِ فَقْدِ الْأُمِّ. وَدَلَّ قَوْلُهُ: "فِي الْمَدِينَةِ" عَلَى أَنَّ الْقَرْيَةَ تُسَمَّى مَدِينَةً، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ (أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ(١٤) تَأْكُلُ الْقُرَى) وَفِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ (لِمَنْ أَنْتَ) فَقَالَ الرَّجُلُ: مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، يَعْنِي مَكَّةَ.قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْكَنْزِ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: كَانَ مَالًا جَسِيمًا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنِ اسْمِ الْكَنْزِ إِذْ هُوَ فِي اللُّغَةِ الْمَالُ الْمَجْمُوعُ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ(١٥) فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ عِلْمًا فِي صُحُفٍ مَدْفُونَةٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: كَانَ لَوْحًا مِنْ ذَهَبٍ مَكْتُوبًا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، عَجِبْتُ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ، عَجِبْتُ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِالرِّزْقِ كَيْفَ يَتْعَبُ، عَجِبْتُ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، عَجِبْتُ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِالْحِسَابِ كَيْفَ يَغْفُلُ، عَجِبْتُ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِالدُّنْيَا وَتَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا كَيْفَ يَطْمَئِنُّ لَهَا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ وَعُمَرَ مَوْلَى غُفْرَةَ، وَرَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً﴾ ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَالسَّابِقُ مِنْهُ أَنَّهُ وَالِدُهُمَا دِنْيَةً(١٦). وَقِيلَ: هُوَ الْأَبُ السَّابِعُ، قَالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وَقِيلَ: الْعَاشِرُ فَحُفِظَا فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ بِصَلَاحٍ، وَكَانَ يُسَمَّى كَاشِحًا، قَالَهُ مُقَاتِلٌ اسْمُ أُمِّهِمَا دُنْيَا(١٧)، ذَكَرَهُ النَّقَّاشُ(١٨). فَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الله تعالى يَحْفَظُ الصَّالِحَ فِي نَفْسِهِ وَفِي وَلَدِهِ وَإِنْ بَعُدُوا عَنْهُ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْفَظُ الصَّالِحَ فِي سَبْعَةٍ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ(١٩)، وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾(٢٠) [الأعراف: ١٩٦].قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَضِرَ نَبِيٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ.(ذلِكَ تَأْوِيلُ) أَيْ تَفْسِيرُ.(مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) قرأت فرقة: "تستطيع". وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: "تَسْطِعْ" قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: كَذَا نَقْرَأُ كَمَا فِي خَطِّ الْمُصْحَفِ. وَهُنَا خَمْسُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- إِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَمْ يُسْمَعْ لِفَتَى مُوسَى ذِكْرٌ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ وَلَا فِي آخِرِهَا، قِيلَ لَهُ: اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَمْ يُسْمَعْ لِفَتَى مُوسَى بِذِكْرٍ وَقَدْ كَانَ مَعَهُ؟ فَقَالَ: شَرِبَ الْفَتَى مِنَ الْمَاءِ فَخَلَدَ، وَأَخَذَهُ الْعَالِمُ فَطَبَّقَ عَلَيْهِ سَفِينَةً(٢١) ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي الْبَحْرِ، وَإِنَّهَا لَتَمُوجُ بِهِ فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ فَشَرِبَ مِنْهُ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ فَلَيْسَ الْفَتَى يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَإِنَّ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ قَدْ عُمِّرَ بَعْدَ مُوسَى وَكَانَ خَلِيفَتُهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مُوسَى صَرَفَ فَتَاهُ لَمَّا لَقِيَ الْخَضِرَ. وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ الْمَتْبُوعِ عَنِ التَّابِعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِيَةُ- إِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ أَضَافَ الْخَضِرُ قِصَّةَ اسْتِخْرَاجِ كَنْزِ الْغُلَامَيْنِ لله تعالى، وقال في خرق السفينة: "فأرادت أَنْ أَعِيبَهَا" فَأَضَافَ الْعَيْبَ إِلَى نَفْسِهِ؟ قِيلَ لَهُ: إِنَّمَا أَسْنَدَ الْإِرَادَةَ فِي الْجِدَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا فِي أَمْرٍ مُسْتَأْنَفٍ فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ غَيْبٍ مِنَ الْغُيُوبِ، فَحَسُنَ إِفْرَادُ هَذَا الْمَوْضِعِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ الْخَضِرُ قَدْ أَرَادَ ذَلِكَ فَالَّذِي أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُرِيدَهُ. وَقِيلَ: لَمَّا كَانَ ذَلِكَ خَيْرًا كُلَّهُ أَضَافَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَضَافَ عَيْبَ السَّفِينَةِ إِلَى نَفْسِهِ رِعَايَةً لِلْأَدَبِ لِأَنَّهَا لَفْظَةُ عَيْبٍ فَتَأَدَّبَ بِأَنْ لَمْ يُسْنِدِ الْإِرَادَةَ فِيهَا إِلَّا إِلَى نَفْسِهِ، كَمَا تَأَدَّبَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِهِ: "وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ٨٠"(٢٢) فَأَسْنَدَ الْفِعْلَ قَبْلُ وَبَعْدُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَسْنَدَ إِلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ، إِذْ هُوَ مَعْنَى نَقْصٍ وَمُصِيبَةٍ، فَلَا يُضَافُ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَ الْأَلْفَاظِ إِلَّا مَا يُسْتَحْسَنُ مِنْهَا دون ما يستقبح، وهذا كما قال(٢٣) تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾(٢٤) [آل عمران: ٢٦] وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُنْسَبِ الشَّرُّ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ وَالضُّرُّ وَالنَّفْعُ، إِذْ هو على كل شي قدير، وهو بكل شي خَبِيرٌ. وَلَا اعْتِرَاضَ بِمَا حَكَاهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: (يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي واستطعمك فَلَمْ تُطْعِمْنِي وَاسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي) فَإِنَّ ذَلِكَ تَنَزُّلٌ فِي الْخِطَابِ وَتَلَطُّفٌ فِي الْعِتَابِ مُقْتَضَاهُ التَّعْرِيفُ بِفَضْلِ ذِي الْجَلَالِ وَبِمَقَادِيرِ ثَوَابِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَلِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُطْلِقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَشَاءُ، وَلَا نُطْلِقُ نَحْنُ إِلَّا مَا أَذِنَ لَنَا فِيهِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَفْعَالِ الشَّرِيفَةِ. جَلَّ وَتَعَالَى عَنِ النَّقَائِصِ وَالْآفَاتِ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَقَالَ فِي الْغُلَامِ: "فَأَرَدْنا" فَكَأَنَّهُ أَضَافَ الْقَتْلَ إِلَى نَفْسِهِ، وَالتَّبْدِيلَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَالْأَشُدُّ كَمَالُ الْخَلْقِ وَالْعَقْلِ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ فِي "الْأَنْعَامِ"(٢٥) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. الثَّالِثَةُ- قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ: ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ زَنَادِقَةِ الْبَاطِنِيَّةِ إِلَى سُلُوكِ طَرِيقٍ تَلْزَمُ مِنْهُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ، فَقَالُوا: هَذِهِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْعَامَّةُ إِنَّمَا يُحْكَمُ بِهَا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ(٢٦) وَالْعَامَّةِ، وَأَمَّا الْأَوْلِيَاءُ وَأَهْلُ الْخُصُوصِ فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تلك النصوص، بل إنما يزاد مِنْهُمْ مَا يَقَعُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَيُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِمَا يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ خَوَاطِرِهِمْ. وَقَالُوا: وَذَلِكَ لصفاء قلوبهم عن الاكدار، وخلوها عن الْأَغْيَارِ، فَتَتَجَلَّى لَهُمُ الْعُلُومُ الْإِلَهِيَّةُ، وَالْحَقَائِقُ الرَّبَّانِيَّةُ، فَيَقِفُونَ عَلَى أَسْرَارِ الْكَائِنَاتِ، وَيَعْلَمُونَ أَحْكَامَ الْجُزْئِيَّاتِ، فَيَسْتَغْنُونَ بِهَا عَنْ أَحْكَامِ الشَّرَائِعِ الْكُلِّيَّاتِ، كَمَا اتَّفَقَ لِلْخَضِرِ، فَإِنَّهُ اسْتَغْنَى بِمَا تَجَلَّى لَهُ مِنَ الْعُلُومِ، عَمَّا كَانَ عِنْدَ مُوسَى مِنْ تِلْكَ الْفُهُومِ. وَقَدْ جَاءَ فِيمَا يَنْقُلُونَ: اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونَ. قَالَ شَيْخُنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَهَذَا الْقَوْلُ زَنْدَقَةٌ وَكُفْرٌ يُقْتَلُ قَائِلُهُ وَلَا يُسْتَتَابُ، لِأَنَّهُ إِنْكَارُ مَا عُلِمَ مِنَ الشَّرَائِعِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَجْرَى سُنَّتَهُ، وَأَنْفَذَ حِكْمَتَهُ، بِأَنَّ أَحْكَامَهُ لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِوَاسِطَةِ رُسُلِهِ السُّفَرَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَهُمُ الْمُبَلِّغُونَ عَنْهُ رِسَالَتَهُ(٢٧) وَكَلَامَهُ الْمُبَيِّنُونَ شَرَائِعَهُ وَأَحْكَامَهُ، اخْتَارَهُمْ لِذَلِكَ، وَخَصَّهُمْ بِمَا هُنَالِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾(٢٨) [الحج: ٧٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾(٢٩) [الانعام: ٢٤١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾(٣٠) [البقرة: ٢١٣] [الآية(٣١) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَقَدْ حَصَلَ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ، وَالْيَقِينُ الضَّرُورِيُّ وَاجْتِمَاعُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى أَنْ لَا طَرِيقَ لِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى أمره ونهيه، ولا يعرف شي مِنْهَا إِلَّا مِنْ جِهَةِ الرُّسُلِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ هُنَاكَ طَرِيقًا آخَرَ يُعْرَفُ بِهَا أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ غَيْرُ الرُّسُلِ بِحَيْثُ يُسْتَغْنَى عَنِ الرُّسُلِ فَهُوَ كَافِرٌ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ، وَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى سُؤَالٍ وَلَا جَوَابٍ، ثُمَّ هُوَ قَوْلٌ بِإِثْبَاتِ أَنْبِيَاءَ بَعْدَ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، الَّذِي قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ خَاتَمَ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ وَلَا رَسُولَ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَالَ يَأْخُذُ عَنْ قَلْبِهِ وأن ما يقع فيه [هو](٣٢) حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ يَعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ إِلَى كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، فَقَدْ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ خَاصَّةَ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّ هذا نحو ما قاله [رسول الله(٣٣) عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي) الْحَدِيثَ. الرَّابِعَةُ- ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ النَّاسِ إِلَى أَنَّ الْخَضِرَ مَاتَ ﷺ. وقالت فرقة: [إنه(٣٤) حَيٌّ لِأَنَّهُ شَرِبَ مِنْ عَيْنِ الْحَيَاةِ، وَأَنَّهُ بَاقٍ فِي الْأَرْضِ وَأَنَّهُ يَحُجُّ الْبَيْتَ. قَالَ بن عَطِيَّةَ: وَقَدْ أَطْنَبَ النَّقَّاشُ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَذَكَرَ فِي كِتَابِهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً عَنْ عَلِيِّ ابن أبي طالب رضى الله عنه وَغَيْرِهِ، وَكُلُّهَا لَا تَقُومُ عَلَى سَاقٍ. وَلَوْ كَانَ الْخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيًّا يَحُجُّ لَكَانَ لَهُ فِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ ظُهُورٌ، وَاللَّهُ الْعَلِيمُ بِتَفَاصِيلِ الْأَشْيَاءِ لَا رَبَّ غَيْرُهُ. وَمِمَّا يَقْضِي بِمَوْتِ الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْآنَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السلام: (أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ)(٣٥). قُلْتُ: إِلَى هَذَا ذَهَبَ الْبُخَارِيُّ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ، وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهُ حَيٌّ عَلَى مَا نذكره. وهذا وَالْحَدِيثُ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ الله ابن عُمَرَ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: (أَرَأَيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ) قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَهَلَ(٣٦) النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال [رسول الله(٣٧) عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ) يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ الْقَرْنُ. وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: (تَسْأَلُونِي عَنِ السَّاعَةِ وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ(٣٨) تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ) وَفِي أُخْرَى قَالَ سَالِمٌ: تَذَاكَرْنَا أَنَّهَا (هِيَ مَخْلُوقَةٌ يَوْمئِذٍ). وَفِي أُخْرَى: (مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ الْيَوْمَ يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمئِذٍ). وَفَسَّرَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ السِّقَايَةِ قَالَ: نَقْصُ(٣٩) الْعُمْرِ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ نَحْوُ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَحَاصِلُ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخْبَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ لَا يَزِيدُ عُمْرُهُ عَلَى مِائَةِ سَنَةٍ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ) وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَلَائِكَةَ وَلَا الْجِنَّ إِذْ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ، وَلَا الْحَيَوَانَ غَيْرَ الْعَاقِلِ، لِقَوْلِهِ: (مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ) وَهَذَا إِنَّمَا يُقَالُ بِأَصْلِ وَضْعِهِ عَلَى مَنْ يَعْقِلُ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بَنُو آدَمَ. وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عُمَرَ هَذَا الْمَعْنَى، فَقَالَ: يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ الْقَرْنُ. وَلَا حُجَّةَ لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْخَضِرَ حَيٌّ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: (مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ) لِأَنَّ الْعُمُومَ وَإِنْ كَانَ مُؤَكِّدَ الِاسْتِغْرَاقِ فَلَيْسَ نَصًّا فِيهِ، بَلْ هُوَ قَابِلٌ لِلتَّخْصِيصِ. فَكَمَا لَمْ يَتَنَاوَلْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَمْ يُقْتَلْ فَهُوَ حَيٌّ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَمَعْنَاهُ، وَلَا يَتَنَاوَلُ الدَّجَّالَ مَعَ أَنَّهُ حَيٌّ بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْجَسَّاسَةِ(٤٠)، فَكَذَلِكَ لَمْ يَتَنَاوَلِ الخضر عليه السلام وليس مشاهد لِلنَّاسِ، وَلَا مِمَّنْ يُخَالِطُهُمْ حَتَّى يَخْطُرَ بِبَالِهِمْ حَالَةَ مُخَاطَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَمِثْلُ هَذَا الْعُمُومِ لَا يَتَنَاوَلُهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ أحياء وَيَحُجُّونَ مَعَ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَكَذَلِكَ فَتَى مُوسَى فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ فِي كِتَابِ (الْعَرَائِسِ) لَهُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْخَضِرَ(٤١) نَبِيٌّ مُعَمِّرٌ مَحْجُوبٌ عَنِ الْأَبْصَارِ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ [ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ] عن عبد الله ابن [شَوْذَبٍ(٤٢) قَالَ: الْخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ وَلَدِ فَارِسَ، وَإِلْيَاسُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَلْتَقِيَانِ كُلَّ عَامٍ فِي الْمَوْسِمِ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: إِنَّ الْخَضِرَ وَإِلْيَاسَ لَا يَزَالَانِ حَيَّيْنِ فِي الْأَرْضِ مَا دَامَ الْقُرْآنُ عَلَى الْأَرْضِ، فَإِذَا رُفِعَ مَاتَا. وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ أبو محمد عبد المعطي ابن مَحْمُودِ بْنِ عَبْدِ الْمُعْطِي اللَّخْمِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ لَهُ لِلْقُشَيْرِيِّ حِكَايَاتٌ كَثِيرَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّالِحِينَ وَالصَّالِحَاتِ بِأَنَّهُمْ رَأَوُا الْخَضِرَ عَلَيْهِ السلام ولقوه، يفيد مجموعها غلبة الظَّنِّ بِحَيَاتِهِ مَعَ مَا ذَكَرَهُ النَّقَّاشُ وَالثَّعْلَبِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (أَنَّ الدَّجَّالَ يَنْتَهِي إِلَى بَعْضِ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ الناس- أومن خَيْرِ النَّاسِ) الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يَعْنِي(٤٣) أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الْخَضِرُ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْهَوَاتِفِ: بسند يرفعه(٤٤) إِلَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ لَقِيَ الْخَضِرَ وَعَلَّمَهُ هَذَا الدُّعَاءَ، وَذَكَرَ أَنَّ فِيهِ ثَوَابًا عَظِيمًا وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً لِمَنْ قَالَهُ فِي أَثَرِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَهُوَ: يَا مَنْ لَا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، وَيَا مَنْ لَا تُغْلِطُهُ الْمَسَائِلُ، وَيَا مَنْ لَا يَتَبَرَّمُ مِنْ إِلْحَاحِ الْمُلِحِّينَ، أَذِقْنِي بَرْدَ عَفْوِكَ، وَحَلَاوَةَ مَغْفِرَتِكَ. وَذَكَرَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذَا الدُّعَاءِ بِعَيْنِهِ نَحْوًا مِمَّا ذَكَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي سَمَاعِهِ مِنَ الْخَضِرِ. وَذَكَرَ أَيْضًا اجْتِمَاعَ إِلْيَاسَ مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَإِذَا جَازَ بَقَاءُ إِلْيَاسَ إِلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ جَازَ بَقَاءُ الْخَضِرِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ عِنْدَ الْبَيْتِ فِي كُلِّ حَوْلٍ، وَأَنَّهُمَا يَقُولَانِ عِنْدَ افْتِرَاقِهِمَا: (مَا شَاءَ اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا يَصْرِفُ السُّوءَ إِلَّا اللَّهُ، مَا شَاءَ اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ مَا يَكُونُ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) وَأَمَّا خَبَرُ إِلْيَاسَ فَيَأْتِي فِي "الصَّافَّاتِ"(٤٥) إِنْ شاء الله تعالى. وذكر أبو عمر ابن عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ (التَّمْهِيدِ) عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَسُجِّيَ بِثَوْبٍ هَتَفَ هَاتِفٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَلَا يَرَوْنَ شَخْصَهُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾(٤٦) [أل عمران: ١٨٥]- الْآيَةَ- إِنَّ فِي اللَّهِ خَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَعِوَضًا مِنْ كُلِّ تَالِفٍ، وَعَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، فَبِاللَّهِ فَثِقُوا، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا، فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ. فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ الخضر عليه الصلاة السلام. يَعْنِي أَصْحَابَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: (عَلَى الْأَرْضِ) لِلْعَهْدِ لَا لِلْجِنْسِ وَهِيَ أَرْضُ الْعَرَبِ، بِدَلِيلِ تَصَرُّفِهِمْ فِيهَا وَإِلَيْهَا غَالِبًا دُونَ أَرْضِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَأَقَاصِي جُزُرِ الْهِنْدِ وَالسِّنْدِ مِمَّا لَا يَقْرَعُ السَّمْعَ اسْمُهُ، وَلَا يُعْلَمُ عِلْمُهُ. وَلَا جَوَابَ عَنِ الدَّجَّالِ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ الْخَضِرِ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا، فَعَنِ ابْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ قَالَ: أيليا ابن مَلْكَانَ بْنِ فَالِغَ بْنِ شَالِخَ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ. وَقِيلَ: هُوَ ابْنُ عاميل بن سماقحين ابن أَرْيَا بْنِ عَلْقَمَا بْنِ عِيصُو بْنِ إِسْحَاقَ، وَأَنَّ أَبَاهُ كَانَ مَلِكًا، وَأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ بِنْتَ فَارِسٍ وَاسْمُهَا أَلْمَى، وَأَنَّهَا وَلَدَتْهُ فِي مَغَارَةٍ، وَأَنَّهُ وُجِدَ هُنَالِكَ وَشَاةً تُرْضِعُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ غَنَمِ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَةِ، فَأَخَذَهُ الرَّجُلُ فَرَبَّاهُ، فَلَمَّا شَبَّ وَطَلَبَ الْمَلِكُ- أَبُوهُ- كَاتِبًا وَجَمَعَ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ وَالنَّبَالَةِ لِيَكْتُبَ الصُّحُفَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَشِيثَ، كَانَ مِمَّنْ أَقْدَمَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُتَّابِ ابْنُهُ الْخَضِرُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَلَمَّا اسْتَحْسَنَ خَطَّهُ وَمَعْرِفَتَهُ وَبَحَثَ عَنْ جَلِيَّةِ أَمْرِهِ عَرَفَ أَنَّهُ ابْنُهُ(٤٧) فَضَمَّهُ لِنَفْسِهِ(٤٨) وَوَلَّاهُ أَمْرَ النَّاسِ ثُمَّ إِنَّ الْخَضِرَ فَرَّ مِنَ الْمَلِكِ لِأَسْبَابٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا إِلَى أَنْ وَجَدَ عَيْنَ الْحَيَاةِ فَشَرِبَ مِنْهَا، فَهُوَ حَيٌّ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ الدَّجَّالُ، وَأَنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي يَقْتُلُهُ الدَّجَّالُ وَيَقْطَعُهُ ثُمَّ يُحْيِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ: لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْهُمْ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمِائَةِ، مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (إِلَى رَأْسِ مِائَةِ عَامٍ لَا يَبْقَى عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا أَحَدٌ) يَعْنِي مَنْ كَانَ حَيًّا حين قال هذه المقالة.قُلْتُ: قَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَبَيَّنَّا حَيَاةَ الْخَضِرِ إِلَى الْآنَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْخَامِسَةُ- قِيلَ إِنَّ الْخَضِرَ لَمَّا ذَهَبَ يُفَارِقُ مُوسَى قَالَ لَهُ مُوسَى: أَوْصِنِي، قَالَ: كُنْ بَسَّامًا وَلَا تَكُنْ ضَحَّاكًا، وَدَعِ اللَّجَاجَةَ، وَلَا تَمْشِ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ، وَلَا تَعِبْ عَلَى الْخَطَّائِينَ خَطَايَاهُمْ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ يَا ابْنَ عمران.

(١) راجع ج ٨ ص ١٦٨ فما بعد.
(٢) من ج وك وى: أي على شرف هلاك أو خوف. في ط الاولى قلة وليست بصواب.
(٣) في ج وك وى: الحادث المقدم الوجود.
(٤) الحديث في الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة.
(٥) راجع ج ١٦ ص ١٥٩.
(٦) [من ج وك وى.
(٧) هو سوار بن المضرب.
(٨) الزيادة من صحيح البخاري.]
(٩) راجع ج ٣ ص ٣٩ وص ١٣٧.
(١٠) [من ج وك وى.
(١١) الزيادة من صحيح البخاري.
(١٢) في ج وك وى: أصيرم.
(١٣) راجع ج ٢ ص ١٤.
(١٤) القرية هي مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعنى أكلها القرى ما يفتح على أيدي أهلها من المدن ويصيبون من غنائمها.
(١٥) راجع ج ٨ ص ١٢٣.
(١٦) دنية: لحا وهو الأب الأقرب.
(١٧) في روح المعاني: دهنا.
(١٨) في ى: النحاس.
(١٩) في هامش ج: ذويه.
(٢٠) راجع ج ٧ ص ٣٤٢.
(٢١) في ج وك: سفينته.
(٢٢) راجع ج ١٣ ص ١١٠.
(٢٣) في ج وك وى: قاله.
(٢٤) راجع ج ٤ ص ٥٥.
(٢٥) راجع ج ٧ ص ١٣٤ فما بعد.
(٢٦) كذا في الأصول وهو واضح.
(٢٧) في ج وك وى: رسالاته.
(٢٨) راجع ج ١٢ ص ٩٨.
(٢٩) هذه قراءة نافع التي كان يقرأ بها المفسر. راجع ج ٧ ص ٧٩.
(٣٠) راجع ج ٣ ص ٣٠.
(٣١) من ج وك وى.]
(٣٢) من ج وك وى.
(٣٣) من ج وك وى.]
(٣٤) [من ج وك وى.
(٣٥) الحديث كما في الأصول تصحيحه بما يأتي بعد.
(٣٦) وهل إلى الشيء كضرب أي غلط وذهب وهمه إلى خلاف الصواب والمعنى أن الصحابة رضى الله عنهم غلطوا وذهب وهمهم إلى خلاف الصواب في تأويل مقالة النبي ﷺ فكان بعضهم يقول: تقوم الساعة عند انقضاء مائة سنة فبين ابن عمر مراد النبي ﷺ بقوله: يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن. ويجوز وهل كتعب.
(٣٧) من ج وى.]
(٣٨) منفوسة: مولودة.
(٣٩) في ج وى: بعض العمر.
(٤٠) الجساسة: دابة الأرض التي تخرج آخر الزمان وسميت جساسة لتجسسها الاخبار للدجال.
(٤١) في ج وك: والخضر على جميع الأقوال.
(٤٢) الزيادة والتصويب من (عقد الجمان) للعينى نقلا عن الثعلبي. وفي ج وك وى: روى محمد بن المتوكل عن ضمرة عن عبد الله بن سوار".]
(٤٣) في ج وك وى: يقال
(٤٤) كذا في اوك وفي ج: يوقفه
(٤٥) راجع ج ١٥ ص ١١٥.
(٤٦) راجع ج ٤ ص ٢٩٧.
(٤٧) في ج: عرف اسمه.
(٤٨) في ك: إلى نفسه.

(تفسير القرطبي — القرطبي (٦٧١ هـ))

من سورة إبراهيم

﴿فَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخۡلِفَ وَعۡدِهِۦ رُسُلَهُۥۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِیزࣱ ذُو ٱنتِقَامࣲ (٤٧) یَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَیۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تُۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلۡوَ ٰ⁠حِدِ ٱلۡقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم ٤٧-٤٨]

يَقُولُ تَعَالَى مُقَرِّرًا لِوَعْدِهِ وَمُؤَكِّدًا: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أَيْ: مِنْ نُصْرَتِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ.ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ ذُو عِزَّةٍ لَا يَمْتَنِعُ(١) عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ، وَلَا يُغَالَبُ، وَذُو انْتِقَامٍ مِمَّنْ(٢) كَفَرَ بِهِ وَجَحَدَهُ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطُّورِ: ١١] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ أَيْ: وَعْدُهُ هَذَا حَاصِلٌ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ، وَهِيَ هَذِهِ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ الْمَأْلُوفَةِ الْمَعْرُوفَةِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ"(٣) .وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ قَالَتْ: قُلْتُ: أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "عَلَى الصِّرَاطِ".رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُنْفَرِدًا بِهِ دُونَ الْبُخَارِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، بِهِ(٤) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ وُهَيْبٍ(٥) عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْهَا(٦) وَلَمْ يَذْكُرْ مَسْرُوقًا(٧) .وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ الْمُزَنِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قَالَ: قَالَتْ(٨) يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "لَقَدْ سَأَلْتِنِي(٩) عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي، ذَاكَ أَنَّ النَّاسَ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ(١٠)(١١) .وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، مِنْ حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، عن قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ، فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "هُمْ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ"(١٢) .وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "إِنَّ هَذَا شَيْءٌ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ"، قَالَ: "عَلَى الصِّرَاطِ يَا عَائِشَةُ".وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ(١٣) عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنِ الْحَسَنِ، بِهِ(١٤) .وَقَالَ الْإِمَامُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبة الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدٍ -يَعْنِي: أَخَاهُ -أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، حَدَّثَنِي أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِي؛ أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَهُ(١٥) حَبر مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ. فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصرَع مِنْهَا، فَقَالَ: لِمَ تَدْفَعُنِي؟ فَقُلْتُ: أَلَا تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمّاه بِهِ أَهْلُهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي". فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَيَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ " فَقَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ. فَنَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعُودٍ مَعَهُ، فَقَالَ: "سَلْ". فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ"(١٦) قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: فَقَالَ: " [فُقَرَاءُ](١٧) الْمُهَاجِرِينَ". قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتهُم حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: "زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ" قَالَ: فَمَا غِذَاؤُهُمْ فِي أَثَرِهَا؟ قَالَ: "يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا". قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: "مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا". قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ؟ قَالَ: "أَيَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ " قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ. قَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ. قَالَ: "مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلا منيُّ الرَّجُلِ منيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا(١٨) بِإِذْنِ اللَّهِ -تعالى -وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ أنَّثا بِإِذْنِ اللَّهِ" قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ، وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ. ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَقَدْ سَأَلَنِي هَذَا عَنِ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ، وَمَا لِي عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى أَتَانِيَ اللَّهُ بِهِ"(١٩) .[وَ](٢٠) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ ثَوْبَانَ الكَلاعي، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: أَتَى النبيَّ ﷺ حَبْر مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذْ يَقُولُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فَأَيْنَ الخَلْق عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: "أَضْيَافُ اللَّهِ، فَلَنْ يُعْجِزَهُمْ مَا لَدَيْهِ"(٢١) .وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، بِهِ.وَقَالَ شُعْبَةُ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ -وَرُبَّمَا قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْ -فَقُلْتُ لَهُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ يَقُولُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قَالَ: أَرْضٌ كَالْفِضَّةِ الْبَيْضَاءِ نَقِيَّةٌ، لَمْ يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ، وَلَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهَا(٢٢) خَطِيئَةٌ، يُنْفِذُهُمُ الْبَصَرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، حُفَاةً عُرَاةً كَمَا خُلِقُوا. قَالَ: أُرَاهُ قَالَ: قِيَامًا حَتَّى يُلجِمَهم الْعَرَقُ(٢٣) .وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِنَحْوِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ عَاصِمٌ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ.وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، لَمْ يُخْبِرْ بِهِ. أَوْرَدَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ جَرِيرٍ(٢٤) .وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيد بْنِ عَقِيل، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ أَبُو عَتَّابٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قَالَ: "أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَمْ يَسْقُطْ عَلَيْهَا دَمٌ(٢٥) وَلَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهَا خَطِيئَةٌ". ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ رَفَعَهُ إِلَّا جَرِيرُ بْنُ أَيُّوبَ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ(٢٦) .ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حدثا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ سِنَانٍ(٢٧) عَنْ جَابِرٍ الجُعْفي، عَنْ أَبِي جُبَيرة(٢٨) عَنْ زَيْدٍ قَالَ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَهُودِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ لِمَ أَرْسَلْتُ إِلَيْهِمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "أَرْسَلْتُ إِلَيْهِمْ أَسْأَلُهُمْ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ إِنَّهَا تَكُونُ يَوْمَئِذٍ بَيْضَاءَ مِثْلَ الْفِضَّةِ". فَلَمَّا جَاءُوا سَأَلَهُمْ فَقَالُوا: تَكُونُ بَيْضَاءَ مِثْلَ النَّقِي(٢٩) .وَهَكَذَا رَوى عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَمُجَاهِدِ بْنِ جبير: أَنَّهَا تُبَدَّلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَرْضٍ مِنْ فِضَّةٍ.وَعَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: تصير الأرض فضة، والسموات ذهبا.وَقَالَ الرَّبِيعِ: عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: تَصِيرُ السَّمَوَاتُ جِنَانًا.وَقَالَ أَبُو مِعْشر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، أَوْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قَالَ: [تُبَدَّلُ](٣٠) خُبْزَةً يَأْكُلُ مِنْهَا الْمُؤْمِنُونَ(٣١) مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِمْ(٣٢) .وَكَذَا رَوَى وَكِيع، عَنْ عُمَرَ بْنِ بَشِيرٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قَالَ: تُبَدَّلُ خُبْزَةً بَيْضَاءَ، يَأْكُلُ الْمُؤْمِنُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ.وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمة قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-: الْأَرْضُ كُلُّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ(٣٣) نَارٌ، وَالْجَنَّةُ مِنْ وَرَائِهَا تَرَى كَوَاعِبَهَا وَأَكْوَابَهَا، ويُلجِمُ النَّاسَ العرقُ، أَوْ يَبْلُغُ مِنْهُمُ الْعَرَقُ، وَلَمْ يَبْلَغُوا الْحِسَابَ.وَقَالَ الْأَعْمَشُ أَيْضًا، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ قَيْسِ بْنِ السَّكَنِ(٣٤) قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: الْأَرْضُ كُلُّهَا نَارٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، [وَ](٣٥) الْجَنَّةُ مِنْ وَرَائِهَا، تَرَى أَكْوَابَهَا وَكَوَاعِبَهَا، وَالَّذِي نَفْسُ عَبْدِ اللَّهِ بِيَدِهِ، إِنَّ الرَّجُلَ لَيَفِيضُ عَرَقًا حَتَّى تَرْسَخَ(٣٦) فِي الْأَرْضِ قَدَمُهُ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ حَتَّى يَبْلُغَ أَنْفَهُ، وَمَا مَسَّهُ الْحِسَابُ. قَالُوا(٣٧) مِمَّ ذَاكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: مِمَّا يَرَى النَّاسَ يَلْقَوْنَ(٣٨) .وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قَالَ: تَصِيرُ السَّمَوَاتُ جِنَانًا، وَيَصِيرُ مَكَانُ الْبَحْرِ نَارًا، وَتُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَهَا.وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: "لَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إِلَّا غَازٍ أَوْ حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ، فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا -أَوْ: تَحْتَ النَّارِ بَحْرًا".(٣٩)وَفِي حَدِيثِ الصُّوَرِ الْمَشْهُورِ الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ، فَيَبْسُطُهَا وَيَمُدُّهَا مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيِّ، لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا، ثُمَّ يَزْجُرُ اللَّهُ الْخَلْقَ زَجْرَةً، فَإِذَا هُمْ فِي هَذِهِ الْمُبْدَلَةِ"(٤٠) .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ﴾ أَيْ: خَرَجَتِ الْخَلَائِقُ جَمِيعُهَا مِنْ قُبُورِهِمْ لله ﴿الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي: الذي قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ وَغَلَبَهُ، وَدَانَتْ لَهُ الرِّقَابُ، وَخَضَعَتْ لَهُ الْأَلْبَابُ.

(١) في ت: "تمتنع".
(٢) في ت: "بمن".
(٣) صحيح البخاري برقم (٦٥٢١) وصحيح مسلم برقم (٢٧٩٠) .
(٤) المسند (٦/٣٥) وصحيح مسلم برقم (٢٧٩١) وسنن الترمذي برقم (٣١٢١) وابن ماجة برقم (٤٢٧٩) .
(٥) في ت: "وهب".
(٦) في ت: "عنهما".
(٧) المسند (٦/١٣٤) .
(٨) في ت، أ: "قلت".
(٩) في ت: "سألتني".
(١٠) في ت: "على حشرهم".
(١١) رواه الطبري في تفسيره (١٣/١٦٦) .
(١٢) المسند (٦/١١٧) .
(١٣) في ت، أ: "عثمان".
(١٤) تفسير الطبري (١٣/١٦٦) والمسند (٦/١٠١) .
(١٥) في ت: "فجاء".
(١٦) في ت: "الحشر".
(١٧) زيادة من ت، أ، ومسلم.
(١٨) في أ: "ذكرا".
(١٩) صحيح مسلم برقم: (٣١٥) .
(٢٠) زيادة من ت.
(٢١) رواه الطبري في تفسيره (١٣/١٦٤) .
(٢٢) في ت، أ: "فيها".
(٢٣) تفسير الطبري (١٣/١٦٤) .
(٢٤) تفسير الطبري (١٣/١٦٤) .
(٢٥) في ت: "دما".
(٢٦) مسند البزار برقم (٣٤٣١) "كشف الأستار" وجرير بن أيوب ضعفه الأئمة.
(٢٧) في ت، أ: "شيبان".
(٢٨) في أ: "عن ابن حبرة".
(٢٩) تفسير الطبري (١٣/١٦٤) .
(٣٠) زيادة من أ.
(٣١) في ت، أ: "المؤمن"
(٣٢) في أ: "قدميه".
(٣٣) في ت: "يوم القيامة كلها".
(٣٤) في ت: "ابن سكن".
(٣٥) زيادة من ت، أ.
(٣٦) في ت: "يرسخ"، وفي أ: "يرشح".
(٣٧) في ت: "فقالوا".
(٣٨) تفسير الطبري (١٣/١٦٤، ١٦٥) .
(٣٩) سنن أبي داود برقم (٢٤٨٩) ولفظه: "فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا" رواه من طريق بشر أبي عبد الله، عن بشير بن مسلم، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا، وقد ضعف هذا الحديث جماعة من الأئمة. انظر أقوالهم في: السلسلة الضعيفة برقم (٤٧٨) .
(٤٠) سبق تخريج الحديث عند تفسير سورة الأنعام.

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الجمعة، 12 مايو 2023

من سورة إبراهيم

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ٤٢_٤٣
من سورة إبراهيم 
﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا یَعۡمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَۚ إِنَّمَا یُؤَخِّرُهُمۡ لِیَوۡمࣲ تَشۡخَصُ فِیهِ ٱلۡأَبۡصَـٰرُ (٤٢) مُهۡطِعِینَ مُقۡنِعِی رُءُوسِهِمۡ لَا یَرۡتَدُّ إِلَیۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَاۤءࣱ (٤٣)﴾ [إبراهيم ٤٢-٤٣]

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ وَهَذَا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أَنْ أَعْجَبَهُ مِنْ أَفْعَالِ الْمُشْرِكِينَ وَمُخَالَفَتِهِمْ دِينَ إِبْرَاهِيمَ، أَيِ اصْبِرْ كَمَا صَبَرَ إِبْرَاهِيمُ، وَأَعْلِمِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّ تَأْخِيرَ الْعَذَابِ لَيْسَ لِلرِّضَا بِأَفْعَالِهِمْ، بَلْ سُنَّةُ اللَّهِ إِمْهَالُ الْعُصَاةِ مُدَّةً. قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: هَذَا وَعِيدٌ لِلظَّالِمِ، وَتَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ.(إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ) يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ يُمْهِلُهُمْ وَيُؤَخِّرُ عَذَابَهُمْ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ "يُؤَخِّرُهُمْ" بِالْيَاءِ وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ لِقَوْلِهِ: "وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ". وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَالسُّلَمِيُّ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَيْضًا "نُؤَخِّرُهُمْ" بِالنُّونِ لِلتَّعْظِيمِ.(لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ) أَيْ لَا تُغْمَضُ مِنْ هَوْلِ مَا تَرَاهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ. يُقَالُ: شَخَصَ الرَّجُلُ بَصَرَهُ وَشَخَصَ الْبَصَرُ نَفْسُهُ أَيْ سَمَا وَطَمَحَ مِنْ هَوْلِ مَا يَرَى. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَشْخَصُ أَبْصَارُ الْخَلَائِقِ يَوْمئِذٍ إِلَى الْهَوَاءِ لِشِدَّةِ الْحِيرَةِ فَلَا يَرْمَضُونَ.(مُهْطِعِينَ) أَيْ مُسْرِعِينَ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وسعيد بن حبير، مأخوذ من أهطع يهطع إهطاعا إِذَا أَسْرَعَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾(١) [القمر: ٨] أَيْ مُسْرِعِينَ. قَالَ الشَّاعِرُ:بِدِجْلَةَ دَارُهُمْ وَلَقَدْ أَرَاهُمْ ... بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إِلَى السَّمَاعِوَقِيلَ: الْمُهْطِعُ الَّذِي يَنْظُرُ فِي ذُلٍّ وَخُشُوعٍ، أَيْ نَاظِرِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْرِفُوا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: "مُهْطِعِينَ" أَيْ مُدِيمِي النَّظَرِ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: وَالْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ أَنْ يُقَالَ: أَهْطَعَ إِذَا أَسْرَعَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ يَكُونُ الْوَجْهَانِ جَمِيعًا يَعْنِي الْإِسْرَاعَ مَعَ إِدَامَةِ النَّظَرِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْمُهْطِعُ الَّذِي لَا يرفع رأسه.(مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ) أي رافعي رؤسهم يَنْظُرُونَ فِي ذُلٍّ. وَإِقْنَاعُ الرَّأْسِ رَفْعُهُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْقُتَبِيُّ وَغَيْرُهُمَا: الْمُقْنِعُ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيُقْبِلُ بِبَصَرِهِ عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْهُ الْإِقْنَاعُ فِي الصلاة(٢) وَأَقْنَعَ صَوْتَهُ إِذَا رَفَعَهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وُجُوهُ النَّاسِ يَوْمئِذٍ إِلَى السَّمَاءِ لَا يَنْظُرُ أَحَدٌ إلى أحد. وقيل: ناكسي رؤوسهم، قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَيُقَالُ أَقْنَعَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ، وَأَقْنَعَ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ ذِلَّةً وَخُضُوعًا، وَالْآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَهُ الْمُبَرِّدُ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَعْرَفُ فِي اللُّغَةِ، قَالَ الرَّاجِزُ:أَنْغَضَ(٣) نَحْوِي رَأْسَهُ وَأَقْنَعَا ... كَأَنَّمَا أَبْصَرَ شَيْئًا أَطْمَعَاوَقَالَ الشَّمَّاخُ يصف إبلا:يباكرن العضاه(٤) بمقنعات ... نواجذهن كالحدء الْوَقِيعِيَعْنِي: بِرُءُوسٍ مَرْفُوعَاتٍ إِلَيْهَا لِتَتَنَاوَلَهُنَّ. وَمِنْهُ قِيلَ: مُقَنَّعَةٌ(٥) لِارْتِفَاعِهَا. وَمِنْهُ قَنَعَ الرَّجُلُ إِذَا رَضِيَ، أَيْ رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السُّؤَالِ. وَقَنَعَ إِذَا سَأَلَ أَيْ أَتَى مَا يَتَقَنَّعُ مِنْهُ، عَنِ النَّحَّاسِ. وَفَمٌ مُقْنَعٌ أَيْ مَعْطُوفَةٌ أَسْنَانُهُ إِلَى دَاخِلٍ. وَرَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ عَلَيْهِ بَيْضَةٌ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ.(لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ) أَيْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ أَبْصَارُهُمْ مِنْ شِدَّةِ النَّظَرِ فَهِيَ شَاخِصَةُ النَّظَرِ. يُقَالُ: طَرَفَ الرَّجُلِ يَطْرِفُ طَرْفًا إِذَا أَطْبَقَ جَفْنَهُ عَلَى الْآخَرِ، فَسُمِّيَ النَّظَرُ طَرْفًا لِأَنَّهُ بِهِ يَكُونُ. وَالطَّرْفُ الْعَيْنُ. قَالَ عَنْتَرَةُ:وَأَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِي جَارَتِي ... حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي مَأْوَاهَاوَقَالَ جَمِيلٌ:أقصر طَرْفِي دُونَ جُمْلٍ كَرَامَةً ... لِجُمْلٍ وَلِلطَّرْفِ الَّذِي أَنَا قَاصِرُهُ(وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ) أَيْ لَا تُغْنِي شَيْئًا مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ. ابْنُ عَبَّاسٍ: خَالِيَةٌ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ. السُّدِّيُّ: خَرَجَتْ قُلُوبُهُمْ مِنْ صُدُورِهِمْ فَنَشِبَتْ فِي حُلُوقِهِمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُرَّةُ وَابْنُ زَيْدٍ: خَاوِيَةٌ خَرِبَةٌ مُتَخَرِّقَةٌ(٦) لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ وَلَا عَقْلٌ، كَقَوْلِكَ فِي الْبَيْتِ الَّذِي ليس فيه شي: إِنَّمَا هُوَ هَوَاءٌ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالْهَوَاءُ فِي اللُّغَةِ الْمُجَوَّفُ الْخَالِي، وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانَ:أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي ... فَأَنْتَ مُجَوِّفٌ(٧) نخب هواءوَقَالَ زُهَيْرٌ يَصِفُ نَاقَةً صَغِيرَةَ الرَّأْسِ:كَأَنَّ الرَّجُلَ مِنْهَا فَوْقَ صَعْلٍ(٨) ... مِنَ الظَّلْمَانِ جُؤْجُؤُهُ هَوَاءُفَارِغٌ أَيْ خَالٍ، وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً﴾(٩) [القصص: ١٠] أي من كل شي إِلَّا مِنْ هَمِّ مُوسَى. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ إضمار، أي ذات هواء وخلاء.

(١) راجع ج ١٧ ص ١٣٠.
(٢) الإقناع في الصلاة أن يرفع المصلى رأسه حتى يكون أعلى من ظهره.
(٣) أنغض رأسه: حركه.
(٤) العضاة: كل شجر يعظم وله شوك. والحدأ (بفتح الحاء) وقيل (بكسرها) جمع حدأة، وهى الفأس ذات الرأسين، والوقيع: المحدد. شبه الشاعر أسنان الإبل بالفؤوس في الحدة.
(٥) أي على الرأس من المرأة.
(٦) في و: محترقة.
(٧) المجوف والمجوف: الجبان الذي لا قلب له. والنخب: من النخب بمعنى النزع. يقال: رجل نخب أي جبان، كأنه منتزع الفؤاد.
(٨) . "فوق صعل" شبه الناقة في سرعتها بالظليم وهو ذكر النعام، فكأن رحلها فوقه. والصعل: الصغير الرأس، وبذلك يوصف الظليم والجؤجؤ الصدر.
(٩) راجع ج ١٣ ص ٢٥٤.

(تفسير القرطبي — القرطبي (٦٧١ هـ))

الخميس، 11 مايو 2023

من سورة الكهف

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ٧٧_٧٨
من سورة الكهف 
﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰۤ إِذَاۤ أَتَیَاۤ أَهۡلَ قَرۡیَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَاۤ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡا۟ أَن یُضَیِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِیهَا جِدَارࣰا یُرِیدُ أَن یَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَیۡهِ أَجۡرࣰا (٧٧) قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَیۡنِی وَبَیۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِیلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَیۡهِ صَبۡرًا (٧٨)﴾ [الكهف ٧٧-٧٨]

فِيهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "لئام" فطافا في المجلس(١) فَ"- اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ "يَقُولُ: مَائِلٌ قَالَ:" فَأَقامَهُ "الْخَضِرُ بِيَدِهِ قَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا، وَلَمْ يُطْعِمُونَا،" لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً، قالَ هَذَا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَوَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا). الثَّانِيَةُ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَرْيَةِ فَقِيلَ: هِيَ أبلة، قاله قتادة، وكذلك قال محمد ابن سِيرِينَ، وَهِيَ أَبْخَلُ قَرْيَةٍ وَأَبْعَدُهَا مِنَ السَّمَاءِ. وَقِيلَ: أَنْطَاكِيَّةُ وَقِيلَ: بِجَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ، وَيُذْكَرُ أَنَّهَا الْجَزِيرَةُ الْخَضْرَاءُ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: هِيَ بَاجِرْوَانُ وَهِيَ بِنَاحِيَةِ أَذْرَبِيجَانَ. وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ وَقَالَ: إِنَّهَا بَرْقَةُ. الثَّعْلَبِيُّ: هِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الرُّومِ يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ، وَإِلَيْهَا تُنْسَبُ النَّصَارَى، وَهَذَا كُلُّهُ بِحَسَبِ الْخِلَافِ فِي أَيِّ نَاحِيَةٍ مِنَ الْأَرْضِ كَانَتْ قِصَّةُ مُوسَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ. الثَّالِثَةُ- كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ سَقَى لِبِنْتَيْ شُعَيْبٍ أَحْوَجَ مِنْهُ حِينَ أَتَى الْقَرْيَةَ مَعَ الْخَضِرِ، وَلَمْ يَسْأَلْ قُوتًا بَلْ سَقَى ابْتِدَاءً، وفي القرية سألا الْقُوتَ، وَفِي ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ انْفِصَالَاتٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا أَنَّ مُوسَى كَانَ فِي حَدِيثِ مَدْيَنَ مُنْفَرِدًا وَفِي قِصَّةِ الْخَضِرِ تَبَعًا(٢) لِغَيْرِهِ. قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَتَمَشَّى قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ لِفَتَاهُ: "آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هَذَا نَصَباً" فَأَصَابَهُ الْجُوعُ مُرَاعَاةً لِصَاحِبِهِ يُوشَعَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: لَمَّا كَانَ هَذَا سَفَرَ تَأْدِيبٍ وُكِلَ إِلَى تَكَلُّفِ الْمَشَقَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَفَرَ هِجْرَةٍ فَوُكِلَ إِلَى الْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ بِالْقُوتِ(٣). الرَّابِعَةُ- فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى سُؤَالِ الْقُوتِ، وَأَنَّ مَنْ جَاعَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ مَا يَرُدُّ جُوعَهُ خِلَافًا لِجُهَّالِ(٤) الْمُتَصَوِّفَةِ. وَالِاسْتِطْعَامُ سُؤَالُ الطَّعَامِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا سُؤَالُ الضيافة، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما" فَاسْتَحَقَّ أَهْلُ الْقَرْيَةِ لِذَلِكَ أَنْ يُذَمُّوا، وَيُنْسَبُوا إِلَى اللُّؤْمِ وَالْبُخْلِ، كَمَا وَصَفَهُمْ بِذَلِكَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. قَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: شَرُّ الْقُرَى الَّتِي لَا تُضِيفُ الضَّيْفَ وَلَا تَعْرِفُ لِابْنِ السَّبِيلِ حَقَّهُ. وَيَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الضِّيَافَةَ كَانَتْ عَلَيْهِمْ وَاجِبَةً، وَأَنَّ الْخَضِرَ وَمُوسَى إِنَّمَا سَأَلَا مَا وَجَبَ لَهُمَا مِنَ الضِّيَافَةِ، وَهَذَا هُوَ الْأَلْيَقُ بِحَالِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَنْصِبِ الْفُضَلَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الضِّيَافَةِ فِي "هُودٍ"(٥) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَيَعْفُو اللَّهُ عَنِ الْحَرِيرِيِّ(٦) حَيْثُ اسْتَخَفَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَتَمَجَّنَ، وَأَتَى بِخَطَلٍ مِنَ الْقَوْلِ وَزَلَّ، فَاسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى الْكُدْيَةِ(٧) وَالْإِلْحَاحِ فِيهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَعِيبٍ عَلَى فَاعِلِهِ، وَلَا مَنْقَصَةَ عَلَيْهِ، فَقَالَ:وَإِنْ رُدِدْتُ فَمَا فِي الرَّدِّ مَنْقَصَةٌ ... عَلَيْكَ قَدْ رُدَّ مُوسَى قَبْلُ وَالْخَضِرُقُلْتُ: وَهَذَا لَعِبٌ بِالدِّينِ، وَانْسِلَالٌ عَنِ احْتِرَامِ النَّبِيِّينَ، وَهِيَ شِنْشِنَةٌ أَدَبِيَّةٌ، وَهَفْوَةٌ سَخَافِيَّةٌ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ السَّلَفَ الصَّالِحَ، فَلَقَدْ بَالَغُوا فِي وَصِيَّةِ كُلِّ ذِي عَقْلٍ رَاجِحٍ، فَقَالُوا: مَهْمَا كُنْتَ لَاعِبًا بِشَيْءٍ فَإِيَّاكَ أَنْ تَلْعَبَ بِدِينِكَ. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جِداراً﴾ الجدار والجدر بمعنى، وَفِي الْخَبَرِ: (حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ الْجَدْرَ)(٨). وَمَكَانٌ جَدِيرٌ بُنِيَ حَوَالَيْهِ جِدَارٌ، وَأَصْلُهُ الرَّفْعُ. وَأَجْدَرَتِ الشَّجَرَةُ طَلَعَتْ، وَمِنْهُ الْجُدَرِيُّ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أَيْ قَرُبَ أَنْ يَسْقُطَ، وَهَذَا مَجَازٌ وَتَوَسُّعٌ وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: (مَائِلٍ) فَكَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ. وَجَمِيعُ الْأَفْعَالِ الَّتِي حَقُّهَا أَنْ تَكُونَ لِلْحَيِّ النَّاطِقِ مَتَى أُسْنِدَتْ إِلَى جَمَادٍ أَوْ بَهِيمَةٍ فَإِنَّمَا هِيَ اسْتِعَارَةٌ، أَيْ لَوْ كَانَ مَكَانُهُمَا إِنْسَانٌ لكان ممتثلا لِذَلِكَ الْفِعْلِ، وَهَذَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهَا كثير، فمن ذلك قول الأعشى: أَتَنْتَهُونَ وَلَا يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ(٩) ... كَالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ وَالْفُتُلُفَأَضَافَ النَّهْيَ إِلَى الطَّعْنِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ:يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أَبِي بَرَاءٍ ... وَيَرْغَبُ عَنْ دِمَاءِ بَنِي عَقِيلِوَقَالَ آخَرُ:إِنَّ دَهْرًا يُلِفُّ شَمْلِي بِجُمْلٍ ... لَزَمَانِ يَهُمُّ بِالْإِحْسَانِوَقَالَ آخَرُ:فِي مَهْمَهٍ فلقت به هاماتها ... فلق الفئوس إِذَا أَرَدْنَ نُصُولًاأَيْ ثُبُوتًا فِي الْأَرْضِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: نَصَلَ السَّيْفُ إِذَا ثَبَتَ فِي الرمية، فشبه وقع السيوف على رؤوسهم بوقع الفئوس فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّ الْفَأْسَ يَقَعُ فِيهَا وَيَثْبُتُ لَا يَكَادُ يَخْرُجُ. وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:لَوْ أَنَّ اللُّؤْمَ يُنْسَبُ كَانَ عَبْدًا ... قَبِيحَ الْوَجْهِ أَعْوَرَ مِنْ ثَقِيفِوَقَالَ عَنْتَرَةُ:فَازْوَرَّ مِنْ وَقْعِ الْقَنَا بِلَبَانِهِ ... وَشَكَا إِلَيَّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِوَقَدْ(١٠) فَسَّرَ هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ:لَوْ كَانَ يَدْرِي مَا الْمُحَاوَرَةُ اشْتَكَى
وَهَذَا فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ جِدًّا. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّاسِ: إِنَّ دَارِي تَنْظُرُ إِلَى دَارِ فُلَانٍ. وَفِي الْحَدِيثِ: (اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا). وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى مَنْعِ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ، مِنْهُمْ أَبُو إسحاق الاسفرايني وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْأَصْبَهَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا، فَإِنَّ كَلَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَكَلَامَ رَسُولِهِ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى بِذِي الْفَضْلِ وَالدِّينِ، لِأَنَّهُ يَقُصُّ الْحَقَّ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ. وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ أَنْ قَالُوا: لَوْ خَاطَبْنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَجَازِ لَزِمَ وَصْفُهُ بأنه متجوز أَيْضًا، فَإِنَّ الْعُدُولَ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ يَقْتَضِي الْعَجْزَ عَنِ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾(١١) [النور: ٢٤] وقال تعالى:" وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [٥٠: ٣٠]"(١٢) [ق: ٣٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾(١٣) [الفرقان: ١٢] وقال تعالى:" تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى [٧٠: ١٧]"(١٤) [المعارج: ١٧] وَ (اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا) (وَاحْتَجَّتِ النَّارُ وَالْجَنَّةُ) وَمَا كَانَ مِثْلُهَا حَقِيقَةً، وَأَنَّ خَالِقَهَا الذي أنطق كل شي أَنْطَقَهَا. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ وَذَلِكَ لِيُعْذَرَ(١٥) مِنْ نَفْسِهِ وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِ). هَذَا فِي الْآخِرَةِ. وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا، فَفِي الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السباع الانس وَحَتَّى تُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ وَشِرَاكُ نَعْلِهِ وَتُخْبِرُهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ مِنْ بَعْدِهِ) [قَالَ أَبُو عِيسَى(١٦): وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذَا حَدِيثٌ حسن غريب. السابعة- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَقامَهُ﴾ قِيلَ: هَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يبنيه. فَقَالَ مُوسَى لِلْخَضِرِ: "لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً" لِأَنَّهُ فِعْلٌ يَسْتَحِقُّ أَجْرًا. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَرَأَ: "فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَهَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ إِنْ صَحَّ سَنَدُهُ فَهُوَ جَارٍ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَجْرَى التَّفْسِيرِ لِلْقُرْآنِ، وَأَنَّ بَعْضَ النَّاقِلِينَ أَدْخَلَ [تَفْسِيرَ(١٧) قُرْآنٍ فِي مَوْضِعٍ فَسَرَى أَنَّ ذَلِكَ قُرْآنٌ نَقَصَ مِنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ، عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الطَّاعِنِينَ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَسَحَهُ بِيَدِهِ وَأَقَامَهُ فَقَامَ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِأَفْعَالِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بَلْ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: إِنَّ سُمْكَ ذَلِكَ الْحَائِطِ كَانَ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ ذَلِكَ الْقَرْنِ، وَطُولُهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ خَمْسُمِائَةِ ذراع، وعرضه خمسون ذراعا، فأقامه الخضرعَلَيْهِ السَّلَامُ أَيْ سَوَّاهُ بِيَدِهِ فَاسْتَقَامَ، قَالَهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي كِتَابِ الْعَرَائِسِ: فَقَالَ مُوسَى لِلْخَضِرِ: "لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً" أَيْ طَعَامًا نأكله، فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَكَذَلِكَ مَا وُصِفَ مِنْ أَحْوَالِ الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ كُلُّهَا أُمُورٌ خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ، هَذَا إِذَا تَنَزَّلْنَا عَلَى أَنَّهُ وَلِيٌّ لَا نبي. وقول تعالى: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] يَدُلُّ عَلَيَّ نُبُوَّتِهِ وَأَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ بِالتَّكْلِيفِ(١٨) وَالْأَحْكَامِ، كَمَا أُوحِيَ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّامِنَةُ- واجب على الإنسان ألا يتعرض للجلوس تحث جِدَارٍ مَائِلٍ يَخَافُ سُقُوطَهُ، بَلْ يُسْرِعُ فِي الْمَشْيِ إِذَا كَانَ مَارًّا عَلَيْهِ، لِأَنَّ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ بِطِرْبَالٍ مَائِلٍ فَلْيُسْرِعِ الْمَشْيَ). قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ: الطِّرْبَالُ شَبِيهٌ بِالْمَنْظَرَةِ مِنْ مَنَاظِرِ الْعَجَمِ كَهَيْئَةِ الصَّوْمَعَةِ، وَالْبِنَاءِ الْمُرْتَفِعِ، قَالَ جَرِيرٌ:أَلْوَى(١٩) بِهَا شَذْبُ الْعُرُوقِ مُشَذَّبٌ ... فَكَأَنَّمَا وَكَنَتْ عَلَى طِرْبَالِيُقَالُ مِنْهُ: وَكَنَ يَكِنُ إِذَا جَلَسَ، وَفِي الصِّحَاحِ: الطِّرْبَالُ الْقِطْعَةُ الْعَالِيَةُ مِنَ الْجِدَارِ، وَالصَّخْرَةُ الْعَظِيمَةُ الْمُشْرِفَةُ مِنَ الْجَبَلِ، وَطَرَابِيلُ الشَّامِ صَوَامِعُهَا. وَيُقَالُ: طَرْبَلَ بَوْلَهُ إِذَا مَدَّهُ إِلَى فَوْقَ. التَّاسِعَةُ- كَرَامَاتُ الْأَوْلِيَاءِ ثَابِتَةٌ، عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ الثَّابِتَةُ، وَالْآيَاتُ الْمُتَوَاتِرَةُ وَلَا ينكرها إلا المبتدع الْجَاحِدُ، أَوِ الْفَاسِقُ الْحَائِدُ، فَالْآيَاتُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ مَرْيَمَ مِنْ ظُهُورِ الْفَوَاكِهِ الشِّتْوِيَّةِ فِي الصَّيْفِ، وَالصَّيْفِيَّةِ فِي الشِّتَاءِ- عَلَى مَا تَقَدَّمَ- وَمَا ظَهَرَ عَلَى يَدِهَا حَيْثُ أَمَرَتِ النَّخْلَةَ وَكَانَتْ يَابِسَةً فَأَثْمَرَتْ، وَهِيَ لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ، عَلَى الْخِلَافِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهَا مَا ظَهَرَ عَلَى يَدِ الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ خَرْقِ السَّفِينَةِ، وَقَتْلِ الْغُلَامِ، وَإِقَامَةِ الْجِدَارِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ كَانَ نَبِيًّا، لِأَنَّ إِثْبَاتَ النُّبُوَّةِ لَا يَجُوزُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ التَّوَاتُرِ- مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَمِلَ تَأْوِيلًا- بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (لَا نَبِيَّ بعدي) وقال تعالى: ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ ٤٠﴾(٢٠) [الأحزاب: ٤٠] والخضر و [إلياس(٢١) جَمِيعًا بَاقِيَانِ مَعَ هَذِهِ الْكَرَامَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَا غَيْرَ نَبِيَّيْنِ، لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا نَبِيَّيْنِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَبِيٌّ، إِلَّا مَا قَامَتِ الدَّلَالَةُ فِي حديث عيسى أنه ينزل بعده. قلت: [الجمهور أن(٢٢) الحضر كَانَ نَبِيًّا- عَلَى مَا تَقَدَّمَ- وَلَيْسَ بَعْدَ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَبِيٌّ، أَيْ يَدَّعِي النبوة بعده ابتداء الله أَعْلَمُ. الْعَاشِرَةُ- اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ الْوَلِيُّ أَنَّهُ وَلِيٌّ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَأَنَّ مَا يَظْهَرُ عَلَى يَدَيْهِ يَجِبُ أَنْ يُلَاحِظَهُ بِعَيْنِ خَوْفِ الْمَكْرِ، لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ مَكْرًا وَاسْتِدْرَاجًا لَهُ، وَقَدْ حُكِيَ عَنِ السَّرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ بُسْتَانًا فَكَلَّمَهُ مِنْ رَأْسِ كُلِّ شَجَرَةٍ طَيْرٌ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَلِيَّ اللَّهِ فَلَوْ لَمْ يَخَفْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَكْرًا لَكَانَ مَمْكُورًا بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ وَلِيٌّ لَزَالَ عَنْهُ الْخَوْفُ، وَحَصَلَ لَهُ الْأَمْنُ. وَمِنْ شَرْطِ الْوَلِيِّ أَنْ يَسْتَدِيمَ الْخَوْفُ إِلَى أَنْ تَتَنَزَّلَ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا ٣٠﴾(٢٣) [فصلت: ٣٠] وَلِأَنَّ الْوَلِيَّ مَنْ كَانَ مَخْتُومًا لَهُ بِالسَّعَادَةِ، وَالْعَوَاقِبُ مَسْتُورَةٌ وَلَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا يُخْتَمُ لَهُ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ). الْقَوْلُ الثَّانِي- أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ وَلِيٌّ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ وَلِيٌّ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَعْلَمَ(٢٤) أَنَّهُ وَلِيُّ اللَّهِ تَعَالَى، فجاز له أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ حَالِ الْعَشَرَةِ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ زَوَالُ خَوْفِهِمْ، بَلْ كَانُوا أَكْثَرَ تعظيما لله انه سبح وَتَعَالَى، وَأَشَدَّ خَوْفًا وَهَيْبَةً، فَإِذَا جَازَ لِلْعَشَرَةِ ذَلِكَ وَلَمْ يُخْرِجْهُمْ عَنِ الْخَوْفِ فَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ. وَكَانَ الشِّبْلِيُّ يَقُولُ: أَنَا أَمَانُ هَذَا الْجَانِبِ، فَلَمَّا مَاتَ وَدُفِنَ عَبَرَ الدَّيْلَمُ دِجْلَةَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى بَغْدَادَ، وَيَقُولُ النَّاسُ: مُصِيبَتَانِ مَوْتُ الشِّبْلِيِّ وَعُبُورُ الدَّيْلَمِ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ يحتمل أن يكون ذلك استدراجا لأنه لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أَلَّا يَعْرِفَ النَّبِيُّ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَوَلِيُّ اللَّهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجًا، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالُ الْمُعْجِزَاتِ لَمْ يَجُزْ هَذَا، لِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالُ الْكَرَامَاتِ. وَمَا رُوِيَ مِنْ ظُهُورِ الْكَرَامَاتِ عَلَى يَدَيْ بَلْعَامَ وَانْسِلَاخِهِ عَنِ الدِّينِ بعدها لقوله: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْها﴾(٢٥) [الأعراف: ١٧٥] فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ كَانَ وَلِيًّا ثُمَّ انْسَلَخَتْ عَنْهُ الْوِلَايَةُ. وَمَا نُقِلَ أَنَّهُ ظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ مَا يَجْرِي مَجْرَى الْكَرَامَاتِ هُوَ أَخْبَارُ آحَادٍ لَا تُوجِبُ الْعِلْمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُعْجِزَةِ وَالْكَرَامَةِ أَنَّ الْكَرَامَةَ مِنْ شَرْطِهَا الِاسْتِتَارُ، وَالْمُعْجِزَةُ مِنْ شَرْطِهَا الْإِظْهَارُ. وَقِيلَ: الْكَرَامَةُ مَا تَظْهَرُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى وَالْمُعْجِزَةُ مَا تَظْهَرُ عِنْدَ دَعْوَى الْأَنْبِيَاءِ فَيُطَالَبُونَ بِالْبُرْهَانِ فَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ شَرَائِطُ الْمُعْجِزَةِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ثُبُوتِ الْكَرَامَاتِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عشرة رهط سرية عينا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ(٢٦) وَهُوَ جَدُّ(٢٧) عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَأَةِ وَهِيَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو لِحْيَانَ فَنَفَرُوا إِلَيْهِمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَتَيْ رَاجِلٍ كُلُّهُمْ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمْ تَمْرًا تَزَوَّدُوهُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجوا إِلَى فَدْفَدٍ(٢٨)، وَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا فَأَعْطُونَا أَيْدِيَكُمْ وَلَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَلَّا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أمير السرية: أما فو الله لَا أَنْزِلُ الْيَوْمَ فِي ذِمَّةِ الْكَافِرِ، اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ، فَرَمَوْا بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، وَهُمْ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ وَابْنُ الدَّثِنَةِ وَرَجُلٌ آخرا(٢٩)، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَأَوْثَقُوهُمْ، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ! وَاللَّهِ لَا أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لِي فِي هَؤُلَاءِ لَأُسْوَةٌ- يريد القتلى- فجزروه وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَتَلُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْنِ الدَّثِنَةِ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ بعد وقعة بدر، فابتاع خبيبا بنو الحرث بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وكان خبيب هو الذي قتل الحرث بن عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا، فَأَخْبَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ أَنَّ بِنْتَ الحرث أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدَّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ، فَأَخَذَ ابْنٌ لِي وَأَنَا غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَاهُ، قَالَتْ: فَوَجَدْتُهُ مُجْلِسُهُ عَلَى فخذه والموسى بيده، [قالت(٣٠): فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ فِي وَجْهِي، فَقَالَ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ. قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ] من(٣١) قِطْفَ عِنَبٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرٍ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى خُبَيْبًا، فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دَعُونِي أَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ مِنَ الْمَوْتِ لَزِدْتُ(٣٢)، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا، وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا، ثُمَّ قَالَ:وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِيوَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِفَقَتَلَهُ بنو الحرث، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ الَّذِي سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لِكُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى لِعَاصِمٍ يَوْمَ أُصِيبَ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَصْحَابُهُ خَبَرَهُمْ وَمَا أُصِيبُوا. وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمٍ حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يَعْرِفُونَهُ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَى عَاصِمٍ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ(٣٣) فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْطَعُوا مِنْ لَحْمِهِ شَيْئًا. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: وَقَدْ كَانَتْ هُذَيْلٌ حِينَ قُتِلَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَرَادُوا رَأْسَهُ لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شَهِيدٍ(٣٤)، وَقَدْ كَانَتْ نَذَرَتْ حِينَ أَصَابَ ابْنَيْهَا بِأُحُدٍ لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِهِ لَتَشْرَبَنَّ فِي قَحْفِهِ(٣٥) الْخَمْرَ فَمَنَعَهُمُ الدَّبْرُ، فَلَمَّا حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ قَالُوا: دَعُوهُ حَتَّى يُمْسِيَ فَتَذْهَبُ عَنْهُ فَنَأْخُذَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى الْوَادِي فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا فَذَهَبَ، وَقَدْ كَانَ عَاصِمٌ أَعْطَى اللَّهَ تَعَالَى عَهْدًا أَلَّا يَمَسَّ مُشْرِكًا وَلَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ أَبَدًا فِي حَيَاتِهِ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ وَفَاتِهِ مِمَّا امْتَنَعَ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ. وَعَنْ عَمْرِو بن أمية الضمري: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ عَيْنًا وَحْدَهُ فَقَالَ: جِئْتُ إِلَى خَشَبَةِ خُبَيْبٍ فَرَقِيتُ فِيهَا وَأَنَا أَتَخَوَّفُ الْعُيُونَ فَأَطْلَقْتُهُ، فَوَقَعَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ اقْتَحَمْتُ فَانْتَبَذْتُ قَلِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتُّ فَكَأَنَّمَا ابْتَلَعَتْهُ الْأَرْضُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى زِيَادَةٌ: فَلَمْ نَذْكُرْ لِخُبَيْبٍ رِمَّةً حَتَّى السَّاعَةَ، ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ- وَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ لِلْوَلِيِّ مَالٌ وَضَيْعَةٌ يَصُونُ بِهَا وجهه(٣٦) وَعِيَالَهُ، وَحَسْبُكَ بِالصَّحَابَةِ وَأَمْوَالَهُمْ مَعَ وِلَايَتِهِمْ وَفَضْلِهِمْ، وَهُمُ الْحُجَّةُ عَلَى غَيْرِهِمْ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (بَيْنَمَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ(٣٧) فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمَسَحَاتِهِ(٣٨) فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ قَالَ فُلَانٌ الِاسْمَ الَّذِي سَمِعَهُ فِي السَّحَابَةِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ سَأَلْتَنِي عَنِ اسْمِي قَالَ إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا قَالَ أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ) وَفِي رِوَايَةٍ (وَأَجْعَلُ ثُلُثَهُ فِي الْمَسَاكِينِ وَالسَّائِلِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ). قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يُنَاقِضُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْكَنُوا إِلَى الدُّنْيَا) خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ فِيهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنِ اتَّخَذَهَا مُسْتَكْثِرًا أَوْ مُتَنَعِّمًا وَمُتَمَتِّعًا بِزَهْرَتِهَا، وَأَمَّا مَنِ اتَّخَذَهَا مَعَاشًا يَصُونُ بِهَا دِينَهُ وَعِيَالَهُ فَاتِّخَاذُهَا بِهَذِهِ النِّيَّةِ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَهِيَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَمْوَالِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ). وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ كِفَايَةٌ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلْهِدَايَةِ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ جَوَازِ الْإِجَارَةِ، وَهِيَ سُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ "الْقَصَصِ"(٣٩) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ "لَاتَّخَذْتُ" وَأَبُو عَمْرٍو "لَتَّخِذْتُ" وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ وقتادة، وهما لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ مِنَ الْأَخْذِ، مِثْلُ قَوْلِكَ: تَبِعَ وَاتَّبَعَ، وَتَقَى وَاتَّقَى. وَأَدْغَمَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ الذَّالَ فِي التَّاءِ، وَلَمْ يُدْغِمْهَا بَعْضُهُمْ. وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: لَوْ شِئْتَ لَأُوتِيَتْ أَجْرًا (. وَهَذِهِ صَدَرَتْ مِنْ مُوسَى سُؤَالًا عَلَى جِهَةِ الْعَرْضِ لَا الِاعْتِرَاضِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: "هَذَا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ" بِحُكْمِ مَا شَرَطْتَ عَلَى نَفْسِكَ. وَتَكْرِيرُهُ "بَيْنِي وَبَيْنِكَ" وَعُدُولُهُ عَنْ بَيْنِنَا لِمَعْنَى التَّأْكِيدِ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: كَمَا يُقَالُ أَخْزَى اللَّهُ الْكَاذِبَ مِنِّي وَمِنْكَ، أَيْ مِنَّا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ قَوْلُ مُوسَى فِي السَّفِينَةِ وَالْغُلَامِ لِلَّهِ، وَكَانَ قَوْلُهُ في الجدار لنفسه لطلب شي مِنَ الدُّنْيَا، فَكَانَ سَبَبُ الْفِرَاقِ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ ذَلِكَ الْجِدَارُ جِدَارًا طُولُهُ في السماء مائة ذراع. الثالثة عشرة- قوله تعالى: (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) تَأْوِيلُ الشَّيْءِ مَآلُهُ أَيْ قَالَ لَهُ: إِنِّي أُخْبِرُكَ لِمَ فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُ. وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي وَقَعَتْ لِمُوسَى مَعَ الخضر: إنها حجة على موسى لا عجبا لَهُ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَنْكَرَ أَمْرَ خَرْقِ السَّفِينَةِ نُودِيَ: يَا مُوسَى أَيْنَ كَانَ تَدْبِيرُكَ هَذَا وَأَنْتَ فِي التَّابُوتِ مَطْرُوحًا فِي الْيَمِّ! فَلَمَّا أَنْكَرَ أَمْرَ الْغُلَامِ قِيلَ لَهُ: أَيْنَ إِنْكَارُكَ هَذَا مِنْ وَكْزِكَ الْقِبْطِيَّ وَقَضَائِكَ عَلَيْهِ! فَلَمَّا أَنْكَرَ إِقَامَةَ الْجِدَارِ نُودِيَ: أَيْنَ هَذَا مِنْ رَفْعِكَ حَجَرَ الْبِئْرِ لِبَنَاتِ شُعَيْبٍ دُونَ أجر!

(١) في ك وى: في المجالس.
(٢) في ك: متبعا.
(٣) في ك: والقوة.
(٤) في ك: للجهال من المتصوفة.
(٥) راجع ج ٩ ص ٦٤ فما بعد.
(٦) هو صاحب المقامات المشهورة والبيت الذي لمح فيه إلى الآية من مقامته (الصعدية)، في ك: تسخف.
(٧) الكدية: تكفف الناس.
(٨) الحديث في مخاصمة الزبير لرجل من الأنصار في سيول شريج الحرة فقال ﷺ: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" أراد ما دفع حول المزرعة كالجدار.
(٩) الشطط: الجور والظلم يقول لا ينهى الظالم عن ظلمه إلا الطعن الجائف الذي يغيب فيه الفتل.
(١٠) أي عنترة وتمام البيت:
ولكان لو علم الكلام مكلمي

[ ..... ]
(١١) راجع ج ١٢ ص ٢١٠.
(١٢) راجع ج ١٧ ص ١٨.
(١٣) راجع ج ١٣ ص ٦.
(١٤) راجع ج ١٨ ص ٢٨٦ فما بعد.
(١٥) ليعذر: بالبناء للفاعل من الاعذار والمعنى: ليزيل الله عذره من قبل نفسه.
(١٦) الزيادة من صحيح الترمذي.]
(١٧) زيادة يقتضيها السباق. وفي الأصول: (أدخل قرآنا ... إلخ).]
(١٨) كذا في ك وى. وفي اوج وح: التكليف.
(١٩) ألوى: ذهب بها حيث أراد. شذب العروق: ظاهر العروق لقلة اللحم، من قولهم: رجل مشذب أي خفيف قليل اللحم.
(٢٠) راجع ج ١٤ ص ١٩٦.
(٢١) في الأصول: (دانيال) وهو تحريف.]
(٢٢) [من ج وك وى.
(٢٣) راجع ج ١٥ ص ٣٥٧.
(٢٤) في ك وى: أن يعرفه.
(٢٥) راجع ج ٧ ص ٣١٩
(٢٦) وقيل: أمر عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي
(٢٧) قال القسطلاني: هذا وهم، وإنما هو خال عاصم لان أم عاصم جميلة بنت ثابت
(٢٨) فدفد: رابية مشرفة
(٢٩) الرجل الآخر هو عبد الله بن طارق
(٣٠) [من ج وك وى.
(٣١) [من ج وى.
(٣٢) في ك: لطولتهما.
(٣٣) الدبر: الزنابير أو ذكور النحل.
(٣٤) في ج وى: الشهيد.
(٣٥) القحف: الجمجمة.
(٣٦) من ج وك وى. وهذا أشبه.
(٣٧) حرة: أرض ذات حجارة سود. والشرجة: طريق الماء ومسيله.
(٣٨) المسحاة: المجرفة من الحديد.
(٣٩) راجع ج ١٣ ص ٢٦٧.

(تفسير القرطبي — القرطبي (٦٧١ هـ))