الخميس، 11 مايو 2023

من سورة الكهف

 صدقة جارية 

تفسير اية رقم ٧٤_٧٦

من سورة الكهف 

﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰۤ إِذَا لَقِیَا غُلَـٰمࣰا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسࣰا زَكِیَّةَۢ بِغَیۡرِ نَفۡسࣲ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَیۡـࣰٔا نُّكۡرࣰا (٧٤) ۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِیعَ مَعِیَ صَبۡرࣰا (٧٥) قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَیۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَـٰحِبۡنِیۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّی عُذۡرࣰا (٧٦)﴾ [الكهف ٧٤-٧٦]


قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ﴾ فِي الْبُخَارِيِّ قَالَ يَعْلَى قَالَ سَعِيدٌ: وَجَدَ غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ فَأَخَذَ غُلَامًا كَافِرًا فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ، "قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ" لَمْ تَعْمَلْ بِالْحِنْثِ(١)، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَصَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ: ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِرَ غُلَامًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى: "أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً. قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً" قَالَ(٢) وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الْأُولَى. "قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً". لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَفِي (التَّفْسِيرِ): إِنَّ الْخَضِرَ مَرَّ بِغِلْمَانٍ يَلْعَبُونَ فَأَخَذَ بِيَدِهِ(٣) غُلَامًا لَيْسَ فِيهِمْ أَضْوَأُ مِنْهُ، وَأَخَذَ حَجَرًا فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَهُ حَتَّى دَمَغَهُ، فَقَتَلَهُ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَمْ يَرَهُ إِلَّا مُوسَى، وَلَوْ رَأَوْهُ لَحَالُوا بَيْنَهُ وبين الغلام.قُلْتُ: وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَمَغَهُ أَوَّلًا بِالْحَجَرِ، ثُمَّ أَضْجَعَهُ فَذَبَحَهُ، ثُمَّ اقْتَلَعَ رَأْسَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ وَحَسْبُكَ بِمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: "زَاكِيَةً" بِالْأَلِفِ. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَابْنُ عَامِرٍ: "زَكِيَّةً" بِغَيْرِ أَلِفٍ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، قِيلَ: الْمَعْنَى وَاحِدٌ، قَالَهُ الْكِسَائِيُّ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: الزَّكِيَّةُ أَبْلَغُ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: الزَّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ وَالزَّكِيَّةُ الَّتِي أَذْنَبَتْ ثُمَّ تَابَتْ.قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿غُلاماً﴾ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْغُلَامِ هَلْ كَانَ بَالِغًا أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ بَالِغًا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ، وَأَبُوهُ مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ إِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ، وَأُمُّهُ مِنْ عُظَمَاءِ الْقَرْيَةِ الْأُخْرَى، فَأَخَذَهُ الْخَضِرُ فَصَرَعَهُ، وَنَزَعَ رَأْسَهُ عَنْ جَسَدِهِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَاسْمُ الْغُلَامِ شَمْعُونُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: حَيْسُونُ. وَقَالَ وَهْبٌ: اسْمُ أَبِيهِ سِلَاسٌ وَاسْمُ أُمِّهِ رُحْمَى. وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّ اسْمَ أَبِيهِ كَازِيرُ وَاسْمَ أُمِّهِ سَهْوَى. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَمْ يَكُنْ بَالِغًا، وَلِذَلِكَ قَالَ مُوسَى زَاكِيَةً لَمْ تُذْنِبْ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الْغُلَامِ، فَإِنَّ الْغُلَامَ فِي الرِّجَالِ يُقَالُ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ، وَتُقَابِلْهُ الْجَارِيَةُ فِي النِّسَاءِ. وَكَانَ الْخَضِرُ قَتَلَهُ لما علم من سيره، وَأَنَّهُ طُبِعَ كَافِرًا كَمَا فِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ، وأنه لو أدرك لا رهق أَبَوَيْهِ كُفْرًا، وَقَتْلُ الصَّغِيرِ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ إِذَا أَذِنَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، الْقَادِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ، وَفِي كِتَابِ الْعَرَائِسِ: إِنَّ مُوسَى لَمَّا قَالَ لِلْخَضِرِ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً"- الْآيَةَ- غَضِبَ الْخَضِرُ وَاقْتَلَعَ كَتِفَ الصَّبِيِّ الْأَيْسَرَ، وَقَشَّرَ اللَّحْمَ عَنْهُ، وَإِذَا فِي عَظْمِ كَتِفِهِ مَكْتُوبٌ: كَافِرٌ لَا يؤمن بالله أبدا. وفد احْتَجَّ أَهْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْعَرَبَ تُبْقِي عَلَى الشَّابِّ اسْمَ الْغُلَامِ، وَمِنْهُ قَوْلُ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةُ:(٤)شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الَّذِي بِهَا ... غُلَامٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ سَقَاهَاوَقَالَ صَفْوَانُ لِحَسَّانَ:(٥)تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عَنِّي فَإِنَّنِي ... غُلَامٌ إِذَا هوجيت لست بشاعروَفِي الْخَبَرِ: إِنَّ هَذَا الْغُلَامَ كَانَ يُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ، وَيُقْسِمُ لِأَبَوَيْهِ أَنَّهُ مَا فَعَلَ، فَيُقْسِمَانِ عَلَى قَسَمِهِ، وَيَحْمِيَانِهِ مِمَّنْ يَطْلُبُهُ، قَالُوا وَقَوْلُهُ: "بِغَيْرِ نَفْسٍ" يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَنْ قَتْلِ نَفْسٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كِبَرِ الْغُلَامِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ لَمْ يَحْتَلِمْ لَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ بِنَفْسٍ، وَإِنَّمَا جَازَ قَتْلُهُ لِأَنَّهُ كَانَ بَالِغًا عَاصِيًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ شَابًّا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ. وَذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ إِلَى أَنَّهُ بَلَغَ سِنَّ التَّكْلِيفِ لِقِرَاءَةِ أُبَيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ" وَالْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ مِنْ صِفَاتِ الْمُكَلَّفِينَ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ إِلَّا بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ لِأَبَوَيْهِ، وَأَبَوَا الْغُلَامِ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ بِالنَّصِّ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْكَافِرِ إِلَّا بِالْبُلُوغِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ. وَالْغُلَامُ مِنْ الِاغْتِلَامِ وَهُوَ شِدَّةُ الشَّبَقِ.قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نُكْراً﴾ اخْتَلَفَ النَّاسُ أَيُّهُمَا أَبْلَغُ "أَمْراً" أَوْ قَوْلُهُ "نُكْراً" فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: هَذَا قَتْلٌ بَيِّنٌ، وَهُنَاكَ مُتَرَقِّبٌ، فَ"- نُكْراً "أَبْلَغُ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: هَذَا قَتْلُ وَاحِدٍ وَذَاكَ قَتْلُ جَمَاعَةٍ فَ" إِمْراً "أَبْلَغُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَعِنْدِي أَنَّهُمَا لِمَعْنَيَيْنِ وَقَوْلُهُ:" إِمْرًا "أَفْظَعُ وَأَهْوَلُ مِنْ حيث هو متوقع عظيم، و" نكرا" بَيِّنٌ فِي الْفَسَادِ لِأَنَّ مَكْرُوهَهُ قَدْ وَقَعَ، وهذا بين. قوله: (إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي) شَرْطٌ وَهُوَ لَازِمٌ، وَالْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، وَأَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا الْتَزَمَهُ الْأَنْبِيَاءُ، وَالْتُزِمَ لِلْأَنْبِيَاءِ. وَقَوْلُهُ: (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) يَدُلُّ عَلَى قِيَامِ الِاعْتِذَارِ(٦) بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مُطْلَقًا، وَقِيَامِ الْحُجَّةِ مِنَ الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ بِالْقَطْعِ، قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْقِصَّةُ أَيْضًا أَصْلًا لِلْآجَالِ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي هِيَ ثَلَاثَةٌ، وَأَيَّامُ الْمُتَلَوَّمِ(٧) ثَلَاثَةٌ، فَتَأَمَّلْهُ.قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ كَذَا قَرَأَ الْجُمْهُورُ أَيْ تُتَابِعُنِي. وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ: (تَصْحَبَنِّي) بِفَتْحِ التاء والباء وتشديد النون. وقرى: (تَصْحَبْنِي) أَيْ تَتْبَعْنِي. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: (تُصْحِبْنِي) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، وَرَوَاهَا سَهْلٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهُ فَلَا تَتْرُكُنِي أَصْحَبُكَ. "قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً" أَيْ بَلَغْتَ مَبْلَغًا تُعْذَرُ بِهِ فِي تَرْكِ مُصَاحَبَتِي، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: "مِنْ لَدُنِّي" بِضَمِّ الدَّالِ، إِلَّا أَنَّ نَافِعًا وَعَاصِمًا خَفَّفَا النُّونَ، فَهِيَ "لَدُنْ" اتَّصَلَتْ بها ياء الْمُتَكَلِّمِ الَّتِي فِي غُلَامِي وَفَرَسِي، وَكُسِرَ مَا قَبْلَ الْيَاءِ كَمَا كُسِرَ فِي هَذِهِ. وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ "لَدْنِي" بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ. وَرُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ "لُدْنِي" بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِ الدَّالِ، قَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ: وَهِيَ غَلَطٌ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: هَذَا التَّغْلِيطُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ، فَأَمَّا عَلَى قِيَاسِ الْعَرَبِيَّةِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ. وَقَرَأَ الجمهور: "عذر". وَقَرَأَ عِيسَى: "عُذُرًا" بِضَمِّ الذَّالِ. وَحَكَى الدَّانِيُّ(٨) أَنَّ أُبَيًّا رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "عُذْرِي" بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيَاءٍ بَعْدَهَا. مَسْأَلَةٌ: أَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَعَا لِأَحَدٍ بَدَأَ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ يَوْمًا: "رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى لَوْ صَبَرَ عَلَى صَاحِبِهِ لَرَأَى الْعَجَبَ وَلَكِنَّهُ قَالَ:" فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً" (. وَالَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:) رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى لَوْلَا أَنَّهُ عَجَلَ لَرَأَى الْعَجَبَ وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ وَلَوْ صَبَرَ لَرَأَى الْعَجَبَ) قَالَ: وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى أَخِي كَذَا. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَوَدِدْنَا أَنَّهُ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا). الذَّمَامَةَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَذَمَّةِ بِفَتْحِ الذَّالِ وَكَسْرِهَا، وَهِيَ الرِّقَّةُ وَالْعَارُ مِنْ تِلْكَ(٩) الْحُرْمَةِ: يُقَالُ أَخَذَتْنِي مِنْكَ مَذَمَّةٌ وَمَذِمَّةٌ وَذَمَامَةٌ. وَكَأَنَّهُ اسْتَحْيَا مِنْ تَكْرَارِ مُخَالَفَتِهِ، وَمِمَّا صَدَرَ عَنْهُ من تغليظ الإنكار.


(١) لأنها لم تبلغ الحلم وهو تفسير لقوله: (زَكِيَّةً) أي أقتلت نفسا زكية لم تعمل الحنث بغير نفس. ولابي ذر: لم تعمل الخبث (بخاء معجمة وموحدة مفتوحتين). قسطلاني كذا في ك.

(٢) هو سفيان بن عيينة كما في القسطلاني. وقيل: كانت هذه أشد من الاولى لما فيها من زيادة (لك).

(٣) في ك وى: بيد غلام.

(٤) البيت من قصيدة مدحت بها الحجاج بن يوسف وقبله:

إذا نزل الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها

(٥) قد كان حسان رضى الله عنه قال شعرا يعرض فيه صفوان بن المعطل ويمن أسلم من العرب من مضر فاعترضه ابن المعطل وضربه بالسيف وقال البيت.

(راجع القصة في سيرة ابن هشام).

(٦) في ك: الاعذار.

(٧) في ك وى: التلوم. ولعله الأشبه.

(٨) كذا في ج وك وى. وفي ا: الداراني. وهو غلط.

(٩) في ج وك وى: ترك الحرمة.


(تفسير القرطبي — القرطبي (٦٧١ هـ))


الأربعاء، 10 مايو 2023

من سورة إبراهيم

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ٣٨_٤١
من سورة إبراهيم 
﴿رَبَّنَاۤ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِی وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا یَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَیۡءࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِی ٱلسَّمَاۤءِ (٣٨) ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِی وَهَبَ لِی عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَـٰعِیلَ وَإِسۡحَـٰقَۚ إِنَّ رَبِّی لَسَمِیعُ ٱلدُّعَاۤءِ (٣٩) رَبِّ ٱجۡعَلۡنِی مُقِیمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّیَّتِیۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَاۤءِ (٤٠) رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِی وَلِوَ ٰ⁠لِدَیَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِینَ یَوۡمَ یَقُومُ ٱلۡحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم ٣٨-٤١]

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ أَيْ: أَنْتَ تَعْلَمُ قَصْدِي فِي دُعَائِي وَمَا أَرَدْتُ بِدُعَائِي لِأَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْقَصْدُ إِلَى رِضَاكَ وَالْإِخْلَاصِ لَكَ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.ثُمَّ حَمِدَ رَبَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى مَا رَزَقَهُ مِنَ الْوَلَدِ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَقَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أَيْ: إِنَّهُ لَيَسْتَجِيبُ لِمَنْ دَعَاهُ، وَقَدِ اسْتَجَابَ لِي فِيمَا سَأَلْتُهُ(١) مِنَ الْوَلَدِ.ثُمَّ قَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ أَيْ: مُحَافِظًا عَلَيْهَا مُقِيمًا لِحُدُودِهَا ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أَيْ: وَاجْعَلْهُمْ كَذَلِكَ مُقِيمِينَ(٢) الصَّلَاةَ ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ أَيْ: فِيمَا سَأَلْتُكَ فِيهِ كُلِّهِ.﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "وَلِوَالِدِي"، عَلَى الْإِفْرَادِ وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ أَبِيهِ(٣) لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ عَدَاوَتُهُ(٤) لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: كُلِّهِمْ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ أَيْ: يَوْمَ تُحَاسِبُ عِبَادَكَ فَتَجْزِيهِمْ(٥) بِأَعْمَالِهِمْ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ](٦) .

(١) في ت: "فيما سألت".
(٢) في ت، أ: "مقيمي".
(٣) في ت: "ابنه".
(٤) في أ: "أنه عدو".
(٥) في ت: "فيجزيهم".
(٦) زيادة من أ.

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الاثنين، 8 مايو 2023

من سورة الكهف

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ٧١_٧٣
من سورة الكهف 
﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰۤ إِذَا رَكِبَا فِی ٱلسَّفِینَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَیۡـًٔا إِمۡرࣰا (٧١) قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِیعَ مَعِیَ صَبۡرࣰا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِی بِمَا نَسِیتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِی مِنۡ أَمۡرِی عُسۡرࣰا (٧٣)﴾ [الكهف ٧١-٧٣]

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى وَصَاحِبِهِ، وَهُوَ الْخَضِرُ، أَنَّهُمَا انْطَلَقَا لَمَّا تَوَافَقَا وَاصْطَحَبَا، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَلَّا يَسْأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ أَنْكَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَبْتَدِئُهُ(١) مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ بِشَرْحِهِ وَبَيَانِهِ، فَرَكِبَا فِي السَّفِينَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ كَيْفَ رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ، وَأَنَّهُمْ عَرَفُوا الْخَضِرَ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ -يَعْنِي بِغَيْرِ أُجْرَةٍ-تَكْرِمَةً لِلْخَضِرِ. فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فِي الْبَحْرِ، وَلَجَّجَتْ أَيْ: دَخَلَتِ اللُّجَّةَ، قَامَ الْخَضِرُ فَخَرَقَهَا، وَاسْتَخْرَجَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِهَا(٢) ثُمَّ رَقَعَهَا. فَلَمْ يَمْلِكْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، نَفْسَهُ أَنْ قَالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِ: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ . وَهَذِهِ اللَّامُ لَامُ الْعَاقِبَةِ لَا لَامُ التَّعْلِيلِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ(٣) لدُوا للْمَوت وابْنُوا للخَرَاب﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مُنْكَرًا. وَقَالَ قَتَادَةُ عَجَبًا. فَعِنْدَهَا قَالَ لَهُ الْخَضِرُ مُذَكِّرًا(٤) بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الشَّرْطِ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ يَعْنِي وَهَذَا الصَّنِيعُ فَعَلْتُهُ(٥) قَصْدًا، وَهُوَ(٦) مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي اشْتَرَطْتُ مَعَكَ أَلَّا تُنْكِرَ عَلَيَّ فِيهَا، لِأَنَّكَ لَمْ تُحِطْ بِهَا خُبْرًا، وَلَهَا دَاخِلٌ هُوَ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ تَعْلَمْهُ(٧) أَنْتَ.﴿قَالَ﴾ أَيْ مُوسَى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ أَيْ: لَا تُضَيِّقُ عَلَيَّ وتُشدد(٨) عَلَيَّ؛ وَلِهَذَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا".

(١) في ف، أ: "يبتدئ به".
(٢) في ت: "ألواح".
(٣) هو أبو العتاهية، والبيت في ديوانه (ص٤٦) أ. هـ. مستفادا من ط-الشعب.
(٤) في ت: "مذكورا".
(٥) في ت: "عملته".
(٦) في ف: "وهي".
(٧) في ت: "تعلم".
(٨) في ت، ف: "ولا تشدد".

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الجمعة، 5 مايو 2023

من سورة الكهف

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ٦٠_٦٥
من سورة الكهف 
﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَاۤ أَبۡرَحُ حَتَّىٰۤ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَیۡنِ أَوۡ أَمۡضِیَ حُقُبࣰا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَیۡنِهِمَا نَسِیَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِیلَهُۥ فِی ٱلۡبَحۡرِ سَرَبࣰا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَاۤءَنَا لَقَدۡ لَقِینَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَبࣰا (٦٢) قَالَ أَرَءَیۡتَ إِذۡ أَوَیۡنَاۤ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّی نَسِیتُ ٱلۡحُوتَ وَمَاۤ أَنسَىٰنِیهُ إِلَّا ٱلشَّیۡطَـٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِیلَهُۥ فِی ٱلۡبَحۡرِ عَجَبࣰا (٦٣) قَالَ ذَ ٰ⁠لِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰۤ ءَاثَارِهِمَا قَصَصࣰا (٦٤) فَوَجَدَا عَبۡدࣰا مِّنۡ عِبَادِنَاۤ ءَاتَیۡنَـٰهُ رَحۡمَةࣰ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمࣰا (٦٥)﴾ [الكهف ٦٠-٦٥]

سَبَبُ قَوْلِ مُوسَى [عليه السلام](١) لفتاه -وهو يُشوع بْنُ نُون-هَذَا الْكَلَامَ: أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يُحِطْ بِهِ مُوسَى، فَأَحَبَّ الذَّهَابَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لِفَتَاهُ ذَلِكَ: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أَيْ لَا أَزَالُ سَائِرًا حَتَّى أَبْلُغَ هَذَا الْمَكَانَ الذي فيه مجمع البحرين، قال الفرزدق: فَمَا بَرحُوا حَتَّى تَهَادَتْ نسَاؤهُم ... بِبَطْحَاء ذِي قَارٍ عيابَ اللطَائم(٢)قَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: وَهُمَا بَحْرُ فَارِسَ مِمَّا يَلِي الْمَشْرِقَ، وَبَحْرُ الرُّومِ مِمَّا يَلِي الْمَغْرِبَ.وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرظي: مَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ عِنْدَ طَنْجَةَ، يَعْنِي فِي أَقْصَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ أَيْ: وَلَوْ أَنِّي أَسِيرُ حُقُبًا مِنَ الزَّمَانِ.قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ الحُقُب فِي لُغَةِ قَيْسٍ(٣) : سَنَةٌ. ثُمَّ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: الحُقُب ثَمَانُونَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَبْعُونَ خَرِيفًا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ قَالَ: دَهْرًا. وَقَالَ قَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، مِثْلَ ذَلِكَ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أُمِرَ بِحَمْلِ حُوتٍ مَمْلُوحٍ مَعَهُ، وَقِيلَ لَهُ: مَتَى فقدتَ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمّة. فَسَارَا حَتَّى بَلَغَا مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ؛ وَهُنَاكَ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا: "عَيْنُ الْحَيَاةِ"، فَنَامَا هُنَالِكَ، وَأَصَابَ الْحُوتُ مِنْ رَشَاشِ ذَلِكَ الْمَاءِ فَاضْطَرَبَ(٤) ، وَكَانَ فِي مِكْتَلٍ مَعَ يُوشَعَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ](٥) ، وطَفَر مِنَ المَكْتل إِلَى الْبَحْرِ، فَاسْتَيْقَظَ يُوشع، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَسَقَطَ الْحُوتُ فِي الْبَحْرِ وَجَعَلَ يَسِيرُ فِيهِ، وَالْمَاءُ لَهُ مِثْلُ الطَّاقِ لَا يَلْتَئِمُ بَعْدَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ أَيْ: مِثْلَ السَرَب في الأرض.قال ابن جريح(٦) : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَارَ أَثَرُهُ كَأَنَّهُ حَجَر.وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: جَعَلَ الْحُوتُ لَا يَمَسُّ شَيْئًا مِنَ الْبَحْرِ إِلَّا يَبِسَ حتى يكون صخرة(٧) .وقال محمد -[هو](٨) بْنُ إِسْحَاقَ-عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبيد اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ حَدِيثَ ذَلِكَ: "مَا انْجَابَ مَاءٌ مُنْذُ كَانَ النَّاسُ غَيْرُهُ ثَبَتَ(٩) مَكَانَ الْحُوتِ الَّذِي فِيهِ، فَانْجَابَ كالكُوّة حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ مُوسَى فَرَأَى مَسْلَكَهُ"، فَقَالَ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ .وَقَالَ قَتَادَةُ: سَرب مِنَ الْبَرِّ(١٠) ، حَتَّى أَفْضَى إِلَى الْبَحْرِ، ثُمَّ سَلَكَ فِيهِ فَجَعَلَ لَا يَسْلُكُ فِيهِ طَرِيقًا إِلَّا جُعِلَ(١١) مَاءً جَامِدًا.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ أَيِ: الْمَكَانَ الَّذِي نَسِيَا الْحُوتَ فِيهِ، ونُسب النسيان إليهما وإن كان يُوشَع هُوَ الَّذِي نَسِيَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرَّحْمَنِ:٢٢] ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنَ(١٢) الْمَالِحِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.فَلَمَّا ذَهَبَا عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي نَسَيَاهُ فِيهِ مَرْحَلَةً ﴿قَالَ﴾ مُوسَى ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا [نَصَبًا](١٣) ﴾ أَيْ: الَّذِي جَاوَزَا فِيهِ الْمَكَانَ ﴿نَصَبًا﴾ يَعْنِي: تَعَبًا. قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ["وَمَا أَنْسَانِيهِ أَنْ أَذْكُرَهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ](١٤) ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ أَيْ: طَرِيقَهُ ﴿فِي الْبَحْرِ عَجَبًا قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي نَطْلُبُ ﴿فَارْتَدَّا﴾ أَيْ: رَجَعَا ﴿عَلَى آثَارِهِمَا﴾ أَيْ: طَرِيقِهِمَا ﴿قَصَصًا﴾ أَيْ: يَقُصَّانِ أَثَرَ مَشْيِهِمَا، وَيَقْفُوَانِ أَثَرَهُمَا.﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ وَهَذَا هُوَ الْخَضِرُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. بِذَلِكَ قَالَ الْبُخَارِيُّ:حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذِبَ عَدُوّ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئل: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ قَالَ: أَنَا. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. فَقَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ لِي بِهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا، تَجْعَلُهُ(١٥) بِمِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَهُوَ(١٦) ثَمَّ. فَأَخَذَ حُوتًا، فَجَعَلَهُ بِمِكْتَلٍ(١٧) ثُمَّ انْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ بِفَتَاهُ(١٨) يُوشع بْنِ نُونٍ عَلَيْهِمَا(١٩) السَّلَامُ، حَتَّى إِذَا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فَنَامَا، وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ، فَخَرَجَ مِنْهُ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ وَاتَّخَذَ(٢٠) سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الْحُوتِ جِريةَ الْمَاءِ، فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطَّاقِ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالْحُوتِ، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَب حَتَّى جاوَزَا الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ. قَالَ لَهُ فَتَاهُ(٢١) : ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قَالَ: "فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا وَلِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَقَالَ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ . قَالَ: "فَرَجَعَا(٢٢) يَقُصَّانِ أَثَرَهُمَا حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ مُسجّى بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ الخَضِر: وَأنّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ!. قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمت رُشْدًا. ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ، يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مَنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ، لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مَنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَه اللَّهُ لا أَعْلَمُهُ. فَقَالَ مُوسَى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ .فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُ(٢٣) ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ، فَحَمَلُوهُمْ(٢٤) بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إِلَّا وَالْخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَدْ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَعَمَدْتَ(٢٥) إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا. ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾(٢٦) قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا". قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ فَنَزَلَ(٢٧) عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْرة، [أَوْ نَقْرَتَيْنِ](٢٨) فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ.ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِرُ غُلَامًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ رَأْسَهُ [بِيَدِهِ](٢٩) فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ؟!(٣٠) قَالَ: "وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الْأُولَى"، ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا *(٣١) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ(٣٢) ﴾ قَالَ: مَائِلٌ. فَقَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ: ﴿فَأَقَامَهُ﴾ ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا".قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: "وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا" وَكَانَ يَقْرَأُ: "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ"(٣٣) .ثُمَّ رَوَاهُ(٣٤) الْبُخَارِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيينة ... فَذَكَرَ نَحْوَهُ(٣٥) ، وَفِيهِ: "فَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ يُوشع بْنُ نُونٍ، وَمَعَهُمَا الْحُوتُ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَنَزَلَا عِنْدَهَا -قَالَ: فَوَضَعَ مُوسَى رَأْسَهُ فَنَامَ-قَالَ سُفْيَانُ: وَفِي حَدِيثِ غَيْرِ(٣٦) عَمْرٍو قَالَ: وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا: الْحَيَاةُ، لَا يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ إِلَّا حُيِيَ: فَأَصَابَ(٣٧) الْحُوتَ مِنْ مَاءِ تِلْكَ الْعَيْنِ، قَالَ، فَتَحَرَّكَ وَانْسَلَّ مِنَ الْمِكْتَلِ، فَدَخَلَ الْبَحْرَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ كَذَا قَالَ: وَسَاقَ(٣٨) الْحَدِيثَ. وَوَقَعَ عُصْفُورٌ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَغَمَسَ مِنْقَارَهُ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى: مَا علمي وَعِلْمُكَ وَعِلْمُ الْخَلَائِقِ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مقدارُ مَا غَمَسَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْقَارَهُ وَذَكَرَ تَمَامَهُ بِنَحْوِهِ(٣٩) .وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيج أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ -يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ-وَغَيْرُهُمَا قَدْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إِنَّا لَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي بَيْتِهِ، إِذْ قَالَ: سَلُونِي. فَقُلْتُ: أَيْ أَبَا عَبَّاسٍ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، بِالْكُوفَةِ رَجُلٌ قَاصٌّ، يُقَالُ لَهُ: "نَوْفٌ" يَزْعُمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ -أَمَّا عَمْرٌو فَقَالَ لِي: قَالَ(٤٠) : كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ! وَأَمَّا يَعْلَى فَقَالَ لِي: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مُوسَى رَسُولُ اللَّهِ، ذكَّر النَّاسَ يَوْمًا، حَتَّى إِذَا فَاضَتِ الْعُيُونُ، وَرَقَّتِ الْقُلُوبُ، وَلَّى فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ فِي الْأَرْضِ(٤١) أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْكَ؟ قَالَ: لَا. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَى اللَّهِ، قِيلَ: بَلَى قَالَ: أَيْ رَبِّ، وَأَيْنَ؟ قَالَ: بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. قَالَ: أَيْ رَبِّ، اجْعَلْ لِي عِلْمًا أَعْلَمُ ذَلِكَ بِهِ". قَالَ لِي عَمْرٌو: قَالَ: حَيْثُ يُفَارِقُكَ الْحُوتُ، وَقَالَ لِي يَعْلَى: خُذْ حُوتًا مَيْتًا حَيْثُ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ. فَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ، فَقَالَ لِفَتَاهُ: لَا أُكَلِّفُكَ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنِي حَيْثُ يُفَارِقُكَ الْحُوتُ، قَالَ مَا كَلَّفْتَ كَبِيرًا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، لَيْسَتْ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: "فَبَيْنَا(٤٢) هُوَ فِي ظِلِّ صَخْرَةٍ فِي مَكَانٍ ثَرْيَانَ(٤٣) إِذْ تَضَرَّب(٤٤) الْحُوتُ وَمُوسَى نَائِمٌ فَقَالَ فَتَاهُ: لَا أُوقِظُهُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ أَنْ يُخْبِرَهُ، وَتَضَرَّبَ الْحُوتُ حَتَّى دَخَلَ الْبَحْرَ، فَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جَرْيَة الْمَاءِ حَتَّى كَأَنَّ أَثَرَهُ فِي حَجَرٍ". [قَالَ: فَقَالَ لِي عَمْرٌو: هَكَذَا كَأَنَّ أَثَرَهُ فِي حَجَرٍ](٤٥) ، وَحَلَّقَ بَيْنَ إِبْهَامَيْهِ وَالَّتِي تَلِيهِمَا: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ قَالَ: "وَقَدْ قَطَعَ اللَّهُ عَنْكَ النَّصَبَ" لَيْسَتْ هَذِهِ عِنْدَ سَعِيدٍ -أَخْبَرَهُ، فَرَجَعَا فَوَجَدَا خَضرًا. قَالَ: قَالَ(٤٦) عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: عَلَى طِنْفِسَة خَضْرَاءَ عَلَى كبِد(٤٧) الْبَحْرِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسَجى بِثَوْبٍ، قَدْ جَعَلَ طَرَفَهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ، وَطَرَفَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَالَ: هَلْ بِأَرْضٍ مِنْ سَلَامٍ؟ مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: جِئْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتُ رُشْدًا. قَالَ: يَكْفِيكَ(٤٨) التَّوْرَاةُ(٤٩) بِيَدِكَ، وَأَنَّ الْوَحْيَ يَأْتِيكَ!. يَا مُوسَى، إِنَّ لِي عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَهُ، وَإِنَّ لَكَ عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَعْلَمَهُ. فَأَخَذَ طَائِرٌ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ [فَقَالَ: وَاللَّهُ مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ فِي جَنْبِ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَمَا أَخَذَ هَذَا الطَّائِرُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ](٥٠) ، حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ وَجَدَا مَعَابِرَ صِغَارًا تَحْمِلُ(٥١) أَهْلَ هَذَا السَّاحِلِ إِلَى(٥٢) هَذَا السَّاحِلِ الْآخَرِ عَرَفُوهُ، فَقَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ الصَّالِحُ؟. قَالَ فَقُلْنَا لِسَعِيدٍ: خَضِرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. لَا نَحْمِلُهُ بِأَجْرٍ. فَخَرَقَهَا، وَوَتَدَ فِيهَا وَتَدًا. قَالَ مُوسَى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ .قَالَ مُجَاهِدٌ: مُنْكِرًا. قَالَ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ كَانَتِ الْأُولَى نِسْيَانًا، وَالْوُسْطَى شَرْطًا، وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا. فَانْطَلَقَا﴾ . حَتَّى لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ. قَالَ يَعْلَى: قَالَ سَعِيدٌ، وَجَدَ غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ، فَأَخَذَ غُلَامًا كَافِرًا ظَرِيفًا فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ، فَقَالَ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ لَمْ تَعْمَلْ بِالْحِنْثِ(٥٣) . وَابْنُ عَبَّاسٍ قَرَأَهَا ﴿زَكِيَّةً﴾ -" زَاكِيَة " مُسْلمَة، كَقَوْلِكَ(٥٤) : غُلَامًا زَكِيًّا فَانْطَلَقَا، فَوَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ، قَالَ [سَعِيدٌ](٥٥) بِيَدِهِ هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَهُ فَاسْتَقَامَ -قَالَ يَعْلَى: حَسِبْتُ أَنَّ سَعِيدًا قَالَ: فَمَسْحَهُ بِيَدِهِ فَاسْتَقَامَ -قَالَ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قَالَ سَعِيدٌ: أَجْرًا نَأْكُلُهُ ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ وَكَانَ أَمَامَهُمْ، قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: "أَمَامَهُمْ مَلِكٌ" يَزْعُمُونَ عَنْ غَيْرِ سَعِيدٍ أَنَّهُ هُدَدُ بْنُ بُدَدَ، وَالْغُلَامُ الْمَقْتُولُ(٥٦) اسْمُهُ -يَزْعُمُونَ-جَيسُور(٥٧) ﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ فَأَرَدْتُ إِذَا هِيَ مَرَّتْ بِهِ أَنْ يَدَعَهَا بِعَيْبِهَا، فَإِذَا جَاوَزَهُ(٥٨) أَصْلَحُوهَا فَانْتَفَعُوا بِهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: سَدُّوهَا بِقَارُورَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بِالْقَارِ. ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ وَكَانَ كَافِرًا، ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ . أَنْ يَحْمِلَهُمَا حُبّه عَلَى أَنْ يُتَابِعَاهُ(٥٩) عَلَى دِينِهِ ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ ، ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ : هُمَا بِهِ أَرْحَمُ مِنْهُمَا بِالْأَوَّلِ الَّذِي قَتَلَ(٦٠) خَضِرٌ. وَزَعَمَ غَيْرُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمَا أُبْدِلَا جَارِيَةً. وَأَمَّا دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ فَقَالَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ: إِنَّهَا جَارِيَةٌ(٦١) .وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: مَا أَحَدٌ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَبِأَمْرِهِ مِنِّي. فَأمرَ أَنْ يَلْقَى هَذَا الرَّجُلَ. فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ بِزِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ(٦٢) ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ(٦٣) ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: جَلَسْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ، إِنَّ نَوْفًا ابْنَ امْرَأَةِ كَعْبٍ، يَزْعُمُ عَنْ كَعْبٍ أَنَّ مُوسَى النَّبِيَّ الَّذِي طَلَبَ الْعَالَمَ إِنَّمَا هُوَ مُوسَى بْنُ مِيشَا؟ قَالَ سَعِيدٌ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أنوفٌ يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ سَعِيدٌ: فَقُلْتُ لَهُ: نَعَمْ، أَنَا سَمِعْتُ نَوْفًا يَقُولُ(٦٤) ذَلِكَ. قَالَ: أَنْتِ سَمِعْتَهُ يَا سَعِيدُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: كَذَبَ نَوْفٌ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "أَنْ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ رَبَّهُ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، إِنْ كَانَ فِي عِبَادِكَ أَحَدٌ(٦٥) هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي، فَدُلَّنِي عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ، فِي عِبَادِي مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. ثُمَّ نَعَتَ لَهُ مَكَانَهُ(٦٦) وَأَذِنَ لَهُ فِي لُقِيِّهِ. فَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ، وَمَعَهُ حُوتٌ مَلِيحٌ، قَدْ قِيلَ لَهُ: إِذَا(٦٧) حَيِيَ هَذَا الْحُوتُ فِي مَكَانٍ، فَصَاحِبُكَ هُنَالِكَ، وَقَدْ أَدْرَكْتَ حَاجَتَكَ. فَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ، وَمَعَهُ ذَلِكَ الْحُوتُ يَحْمِلَانِهِ، فَسَارَ حَتَّى جَهَدَهُ السَّيْرُ، وَانْتَهَى إِلَى الصَّخْرَةِ وَإِلَى ذَلِكَ الْمَاءِ، وَذَلِكَ الْمَاءُ مَاءُ الْحَيَاةِ، من شَرِبَ مِنْهُ خُلِّدَ، وَلَا يُقَارِبُهُ شَيْءٌ مَيْتٌ إِلَّا حَيِيَ. فَلَمَّا نَزَلَا وَمَسَّ الْحُوتُ الْمَاءَ حَيِيَ ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ فَانْطَلَقَا فَلَمَّا جَاوَزَ مُنْقَلَبَه قَالَ: مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ قَالَ الْفَتَى -وَذَكَرَ-: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَظَهَرَ مُوسَى عَلَى الصَّخْرَةِ حَتَّى إِذَا انْتَهَيَا إِلَيْهَا، فَإِذَا رَجُلٌ مُتَلَفِّفٌ فِي كِسَاءٍ لَهُ، فَسَلَّمَ مُوسَى، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْعَالِمُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بِكَ إِنْ كَانَ لَكَ فِي قَوْمِكَ لَشُغل؟. قَالَ لَهُ مُوسَى: جِئْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وَكَانَ رَجُلًا يَعْلَمُ عِلْمَ الْغَيْبِ قَدْ عُلِّم ذَلِكَ -فَقَالَ مُوسَى: بَلَى. قَالَ: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ ؟ أَيْ: إِنَّمَا تَعْرِفُ ظَاهِرَ مَا تَرَى مِنَ الْعَدْلِ، وَلَمْ تُحِطْ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ بِمَا أَعْلَمُ. ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ وَإِنْ رأيتُ مَا يُخَالِفُنِي، قَالَ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ [وَإِنْ أَنْكَرْتَهُ](٦٨) ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ : فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ يَتَعَرَّضَانِ النَّاسَ، يَلْتَمِسَانِ(٦٩) مَنْ يَحْمِلُهُمَا، حَتَّى مَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ جَدِيدَةٌ وَثِيقَةٌ، لَمْ يَمُرَّ بِهِمَا مِنَ السُّفُنِ أَحْسَنُ وَلَا أَكْمَلُ وَلَا أَوْثَقُ مِنْهَا. فَسَأَلَا أَهْلَهَا أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَحَمَلُوهُمَا(٧٠) ، فَلَمَّا اطْمَأَنَّا فِيهَا وَلجّجَت بِهِمَا مَعَ أَهْلِهَا، أَخْرَجُ مِنْقَارًا لَهُ وَمِطْرَقَةً، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْهَا فَضَرَبَ فِيهَا بِالْمِنْقَارِ حَتَّى خَرَقَهَا. ثُمَّ أَخَذَ لَوْحًا فَطَبَّقَهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهَا يُرَقِّعُهَا، فَقَالَ: لَهُ مُوسَى -وَرَأَى أَمْرًا أَفْظَعَ بِهِ-: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أَيْ: بِمَا تَرَكْتُ مِنْ عَهْدِكَ، ﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ . ثُمَّ خَرَجَا(٧١) مِنَ السَّفِينَةِ فَانْطَلَقَا، حَتَّى أَتَيَا(٧٢) أَهْلَ قَرْيَةٍ، فَإِذَا غِلْمَانٌ يَلْعَبُونَ خَلْفَهَا، فِيهِمْ غُلَامٌ لَيْسَ فِي الْغِلْمَانِ غُلَامٌ أَظْرَفُ مِنْهُ وَلَا أَثْرَى(٧٣) وَلَا أَوْضَأُ(٧٤) مِنْهُ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ، وَأَخَذَ(٧٥) حَجَرًا فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَهُ حَتَّى دَمَغَهُ فَقَتَلَهُ، قَالَ: فَرَأَى مُوسَى أَمْرًا فَظِيعًا لَا صَبْرَ عَلَيْهِ، صَبِيٌّ صَغِيرٌ قَتَلَهُ لَا ذَنْبَ لَهُ(٧٦) قَالَ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾(٧٧) أَيْ: صَغِيرَةً ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي(٧٨) عُذْرًا﴾ أَيْ: قَدْ أعْذرتَ(٧٩) فِي شَأْنِي. ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ ، فَهَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ، فَضَجِرَ مُوسَى مِمَّا يَرَاهُ(٨٠) يَصْنَعُ مِنَ التَّكْلِيفِ، وَمَا لَيْسَ عَلَيْهِ صَبْرٌ، قَالَ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أَيْ: قَدِ اسْتَطْعَمْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا، وَضِفْنَاهُمْ فَلَمْ يُضَيّفونا، ثُمَّ قَعَدْتَ تَعْمَلُ مِنْ غَيْرِ صَنِيعَةٍ، وَلَوْ شِئْتَ لَأُعْطِيتَ عَلَيْهِ أَجْرًا فِي عَمَلِهِ؟. قَالَ: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ -وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ" -وَإِنَّمَا عِبْتُهَا(٨١) لِأَرُدَّهُ عَنْهَا، فَسَلِمَتْ(٨٢) حِينَ رَأَى الْعَيْبَ الَّذِي صَنَعْتُ بِهَا. ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أَيْ: مَا فَعَلْتُهُ عَنْ نَفْسِي، ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: مَا كَانَ الْكَنْزُ إِلَّا عِلْمًا(٨٣) .وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا ظَهَرَ مُوسَى وَقَوْمُهُ عَلَى مِصْرَ، أَنْزَلَ قَوْمَهُ(٨٤) ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ بِهِمُ الدَّارُ، أَنْزَلَ اللَّهُ: أَنْ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ فَخَطَبَ قَوْمَهُ، فَذَكَرَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالنِّعْمَةِ، وَذَكَّرَهُمْ إِذْ نَجَّاهُمُ اللَّهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَذَكَّرَهُمْ هَلَاكَ عَدُوِّهِمْ، وَمَا اسْتَخْلَفَهُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، وَقَالَ: كَلَّمَ اللَّهُ نَبِيَّكُمْ تَكْلِيمًا، وَاصْطَفَانِي لِنَفْسِهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ مَحَبَّةً مِنْهُ، وَآتَاكُمُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ مَا سألتموه؛ فنبيكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التَّوْرَاةَ، فَلَمْ يَتْرُكْ نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا وَعَرَّفَهُمْ إِيَّاهَا. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: هُمْ(٨٥) كَذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْنَا الَّذِي تَقُولُ، فَهَلْ عَلَى الْأَرْضِ أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا. فَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ(٨٦) ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ [عَزَّ وَجَلَّ](٨٧) يَقُولُ: وَمَا يُدْرِيكَ أَيْنَ أَضَعُ عِلْمِي؟ بَلَى(٨٨) . إِنَّ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ رَجُلًا هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ -قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْخَضِرُ-فَسَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ إِيَّاهُ، فَأَوْحَى إِلَيْهِ: أَنِ ائْتِ الْبَحْرَ، فَإِنَّكَ تَجِدُ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ حُوتًا، فَخُذْهُ فَادْفَعْهُ إِلَى فَتَاكَ، ثُمَّ الْزَمْ شَطَّ الْبَحْرِ، فَإِذَا نَسِيتَ الْحُوتَ وَهَلَكَ مِنْكَ، فَثَمَّ تَجِدُ الْعَبْدَ الصَّالِحَ الَّذِي تَطْلُبُ. فَلَمَّا طَالَ سَفَرُ مُوسَى نَبِيِّ اللَّهِ وَنَصَبَ فِيهِ، سَأَلَ فَتَاهُ عَنِ الْحُوتِ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ وَهُوَ غُلَامُهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ لَكَ، قَالَ الْفَتَى: لَقَدْ رَأَيْتُ الْحُوتَ حِينَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا فَأَعْجَبَ ذَلِكَ مُوسَى، فَرَجَعَ حَتَّى أَتَى الصَّخْرَةَ، فَوَجَدَ الْحُوتَ، فَجُعِلَ الْحُوتُ يَضْرِبُ فِي الْبَحْرِ وَيَتْبَعُهُ مُوسَى، وَجَعْلَ مُوسَى يُقَدِّمُ عَصَاهُ يُفَرِّجُ بِهَا عَنْهُ الْمَاءَ يَتْبَعُ(٨٩) الْحُوتَ، وَجَعَلَ الْحُوتُ لَا يَمَسُّ شَيْئًا مِنَ الْبَحْرِ إِلَّا يَبِسَ، حَتَّى يَكُونَ صَخْرَةً(٩٠) ، فَجَعَلَ نَبِيُّ اللَّهِ يَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى انْتَهَى بِهِ الْحُوتُ إِلَى جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، فَلَقِيَ الْخَضِرَ بِهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْخَضِرُ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، وَأَنَّى يَكُونُ السَّلَامُ بِهَذِهِ(٩١) الْأَرْضِ؟ وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى. فَقَالَ(٩٢) الْخَضِرُ: أَصَاحِبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ [قَالَ: نَعَمْ](٩٣) فَرَحَّبَ بِهِ وَقَالَ: مَا جَاءَ(٩٤) بِكَ؟ قال جئتك ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ يَقُولُ: لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. قَالَ مُوسَى ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ قَالَ: فَانْطَلَقَ بِهِ، وَقَالَ لَهُ: لَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ أَصْنَعُهُ حَتَّى أُبَيِّنَ لَكَ شَأْنَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾وَقَالَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتبة بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ. فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقيه، فَهَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "بَيْنَا مُوسَى فِي مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: تَعْلَمُ مَكَانَ رَجُلٍ أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ: لَا؛ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ. فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقيّه فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدت(٩٥) الْحُوتَ [فَهُوَ ثَمَّةَ](٩٦) فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ. فَكَانَ مُوسَى يَتْبَعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ. فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ قَالَ مُوسَى ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ فَوَجَدَا عَبْدَنَا(٩٧) خَضِرًا فكان من شأنهما ما قص في الله كِتَابِهِ(٩٨)(٩٩)

(١) زيادة من ف، أ.
(٢) البيت في تفسير الطبري (١٥/١٧٦) .
(٣) في ف، أ: "العرب".
(٤) في ف، أ: "فاضطربت".
(٥) زيادة من ت، ف، أ.
(٦) في ت: "جرير".
(٧) في ت، ف، أ: "كصخرة".
(٨) زيادة من أ.
(٩) في أ: "غير مثبت".
(١٠) في ت، أ: "الحر".
(١١) في ت، أ: "صار".
(١٢) في ف، أ: "على".
(١٣) زيادة من ف، أ.
(١٤) زيادة من ف، أ، وفي هـ: "أن أذكره".
(١٥) في أ: "فتجعله".
(١٦) في أ: "منهم".
(١٧) في ف: "في مكتل".
(١٨) في ف: "فتاه".
(١٩) في ت، ف: "عليه".
(٢٠) في ف: "فاتخذ".
(٢١) في ت: "قتادة" وهو خطأ.
(٢٢) في ف: "فرجعان".
(٢٣) في ف، أ: "يحملوهم".
(٢٤) في ت: "فحملوه"، وفي ف، أ: "فحملوا".
(٢٥) في ف، أ: "عمدت".
(٢٦) في ف، أ: "أقل لك" وهو خطأ.
(٢٧) في ف، أ: "فوقع".
(٢٨) زيادة من أ.
(٢٩) زيادة من ف، أ.
(٣٠) في ف، أ: "زاكية".
(٣١) في ف: "قد بلغت مني" وهو خطأ.
(٣٢) في ت: "ينقض فأقامه".
(٣٣) صحيح البخاري برقم (٤٧٢٥) .
(٣٤) في أ: "ورواه".
(٣٥) في ت، ف، أ: "فذكره بنحوه".
(٣٦) في ت، ف، أ: "عن".
(٣٧) في ت: "قال: فأصاب".
(٣٨) في أ: "وسباق".
(٣٩) صحيح البخاري برقم (٤٧٢٧) .
(٤٠) في أ: "فقال وقال".
(٤١) في ت: "هل على الأرض"، وفي ف: "هل في الناس".
(٤٢) في ت: "فبينما".
(٤٣) في ف، أ: "يريان".
(٤٤) ف أ: "يضرب".
(٤٥) زيادة من ف، أ، والبخاري.
(٤٦) في ف، أ: "قال لى".
(٤٧) في ت: "كبده".
(٤٨) في أ: "أما يكفيك"، وفي ت: "ألا تكفيك.
(٤٩) في ف: "أما يكفيك أن التوراة".
(٥٠) زيادة من ف، أ، والبخاري.
(٥١) في ت: "فحمد".
(٥٢) في ت، أ: "إلى أهل".
(٥٣) في ت: "لم تعلم بالحنث"، وفي ف، أ: "لم تعمل الحنث".
(٥٤) في ت: "كقوله".
(٥٥) زيادة من ف، أ، والبخاري.
(٥٦) في ت: "المقصود".
(٥٧) في أ: "حيسون".
(٥٨) في أ: "جاوزوا".
(٥٩) في ت: "تبايعاه".
(٦٠) في أ: "قتله".
(٦١) صحيح البخاري برقم (٤٧٢٦) .
(٦٢) تفسير عبد الرزاق (١/٣٤١، ٣٤٢) .
(٦٣) في ف، أ: "عيينة".
(٦٤) في ت: "فيقول".
(٦٥) في ت: "واحد".
(٦٦) في ف، أ: "بمكان".
(٦٧) في أ: "إنه إذا".
(٦٨) زيادة من ف، أ، والطبري.
(٦٩) في ف، أ: "يلتمسان".
(٧٠) في ت: "فحملوها".
(٧١) في ت: "خرجاه".
(٧٢) في ف، أ: "حتى إذا أتيا".
(٧٣) في ف، أ: "ولا أبرأ".
(٧٤) في أ:"ولا أضوأ".
(٧٥) في ف: "فأخذ".
(٧٦) في ف: "عليه".
(٧٧) في أ: "زاكية".
(٧٨) في ف: "قد بلغت منى". وهو خطأ.
(٧٩) في ت: "عددت"، وفي أ: "عذرت".
(٨٠) في أ: "رآه".
(٨١) في أ: "عيبتها".
(٨٢) في ف: "فسلمت منه".
(٨٣) رواه الطبري في تفسيره (١٥/١٨٠) .
(٨٤) في ت، ف، أ: "قومه مصر".
(٨٥) في أ: "هن".
(٨٦) في ف: "جبريل عليه السلام إلى موسى عليه السلام"، وفي أ: "جبريل إلى موسى عليه السلام".
(٨٧) زيادة من أ.
(٨٨) في أ: "بل".
(٨٩) في أ: "حتى يتتبع".
(٩٠) في ت: "حتى يكون مثل الحجر".
(٩١) في أ: "وأني يكون هذا السلام بهذا".
(٩٢) في ف، أ: "فقال له".
(٩٣) زيادة من ف، أ، والطبري.
(٩٤) في أ: "ما حاجتك".
(٩٥) في ت: "بعدت".
(٩٦) زيادة من أ.
(٩٧) في أ: "عبدا".
(٩٨) في ت: "كتابه العزيز".
(٩٩) رواه الطبري في تفسيره (١٥/١٨٣) .

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الخميس، 4 مايو 2023

من سورة إبراهيم

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ٣١ من 
سورة إبراهيم 
﴿قُل لِّعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ یُقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَیُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ سِرࣰّا وَعَلَانِیَةࣰ مِّن قَبۡلِ أَن یَأۡتِیَ یَوۡمࣱ لَّا بَیۡعࣱ فِیهِ وَلَا خِلَـٰلٌ﴾ [إبراهيم ٣١]

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا الْعِبَادَ(١) بِطَاعَتِهِ وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ، بِأَنْ يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَهِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِنْ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ بِأَدَاءِ الزَّكَوَاتِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْقَرَابَاتِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَجَانِبِ.وَالْمُرَادُ بِإِقَامَتِهَا هُوَ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى وَقْتِهَا وَحُدُودِهَا، وَرُكُوعِهَا وَخُشُوعِهَا وَسُجُودِهَا.وَأَمَرَ تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَ فِي السِّرِّ، أَيْ: فِي الْخُفْيَةِ، وَالْعَلَانِيَةِ وَهِيَ: الْجَهْرُ، وَلْيُبَادِرُوا إِلَى ذَلِكَ لِخَلَاصِ أَنْفُسِهِمْ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ يَوْمٌ ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ أَيْ: لَا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ فِدْيَةٌ بِأَنْ تُبَاعَ(٢) نَفْسُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الْحَدِيدِ: ١٥] .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا خِلالٌ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: لَيْسَ هُنَاكَ مُخَالَّة(٣) خَلِيلٍ، فَيَصْفَحُ(٤) عَمَّنِ اسْتَوْجَبَ الْعُقُوبَةَ، عَنِ الْعِقَابِ لمُخَالَّته، بَلْ هُنَالِكَ الْعَدْلُ وَالْقِسْطُ، فَالْخِلَالُ مَصْدَرٌ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: "خَالَلْتُ فُلَانًا، فَأَنَا أُخَالُّهُ مخالة وخلال"، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:صَرَفتُ الهَوَى عَنْهُنَّ مِنْ خَشْيَة الرَّدَى ... وَلَسْتُ بمقْلى الْخِلَالِ وَلَا قَال(٥)وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ فِي الدُّنْيَا بُيُوعًا وَخِلَالًا يَتَخَالُّونَ بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَيَنْظُرُ رَجُلٌ مَنْ يُخَالِلُ وَعَلَامَ صَاحَبَ، فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ فَلْيُدَاوِمْ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَسَيُقْطَعُ عَنْهُ.قُلْتُ: وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ أَحَدًا بَيْعٌ وَلَا فِدْيَةٌ، وَلَوِ افْتَدَى بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَوْ وَجَدَهُ، وَلَا يَنْفَعُهُ صَدَاقَةُ أَحَدٍ وَلَا شَفَاعَةُ أَحَدٍ إِذَا لَقِيَ اللَّهَ كَافِرًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٢٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] .

(١) في ت، أ: "لعباده".
(٢) في ت: "يباع".
(٣) في ت: "مخالطة".
(٤) في ت: "فصفح".
(٥) البيت في تفسير الطبري (١٣/١٤٩) .

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الثلاثاء، 2 مايو 2023

من سورة الكهف

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ٥٢_٥٣
من سورة الكهف 
﴿وَیَوۡمَ یَقُولُ نَادُوا۟ شُرَكَاۤءِیَ ٱلَّذِینَ زَعَمۡتُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ یَسۡتَجِیبُوا۟ لَهُمۡ وَجَعَلۡنَا بَیۡنَهُم مَّوۡبِقࣰا (٥٢) وَرَءَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤا۟ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ یَجِدُوا۟ عَنۡهَا مَصۡرِفࣰا (٥٣)﴾ [الكهف ٥٢-٥٣]

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا يُخاطب بِهِ المشركين يوم القيامة على رؤوس الأشهاد تقريعًا لهم وتوبيخًا: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أَيْ: فِي دَارِ الدُّنْيَا، ادْعُوهُمُ الْيَوْمَ، يُنْقِذُونَكُمْ مِمَّا(١) أَنْتُمْ فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ:٩٤] .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ ] كَمَا قَالَ: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ(٢) [وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [الْقَصَصِ:٦٤] ، وَقَالَ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ:٥، ٦] ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مَرْيَمَ:٨٢، ٨١]
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: مَهْلكًا(٣) .وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عَمْرًا الْبِكَالِيَّ(٤) حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: هُوَ وَادٍ عَمِيقٌ، فُرق بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْهُدَى وَأَهْلِ الضَّلَالَةِ.وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَوْبِقًا﴾ وَادِيًا فِي جَهَنَّمَ.وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنان الْقَزَّازُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ دِرْهَمٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ قَالَ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ.وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿مَوْبِقًا﴾ : عَدَاوَةً.وَالظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ هَاهُنَا: أَنَّهُ الْمَهْلَكُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَادِيًا فِي جَهَنَّمَ أَوْ غَيْرَهُ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ(٥) أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا وُصُولَ لَهُمْ إِلَى آلِهَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَزْعُمُونَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا فِي الْآخِرَةِ، فَلَا خَلَاصَ لِأَحَدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ إِلَى الْآخَرِ، بَلْ بَيْنَهُمَا مَهْلَكٌ وَهَوْلٌ عَظِيمٌ وَأَمْرٌ كَبِيرٌ.وَأَمَّا إِنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَهُمْ﴾(٦) عَائِدًا إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إِنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ أَهْلِ الْهُدَى وَالضَّلَالَةِ بِهِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الرُّومِ:١٤] ، وَقَالَ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الرُّومِ:٤٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس:٢٨ -٣٠] .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ أَيْ: إِنَّهُمْ لَمَّا عَايَنُوا جَهَنَّمَ حِينَ(٧) جِيءَ بِهَا تُقَادُ بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَإِذَا رَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ، تَحَقَّقُوا لَا مَحَالَةَ أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا، لِيَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَعْجِيلِ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ لَهُمْ، فَإِنَّ تَوَقُّعَ الْعَذَابِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ، عَذَابٌ نَاجِزٌ.﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ أَيْ: لَيْسَ(٨) لَهُمْ طَرِيقٌ يَعْدِلُ بِهِمْ عَنْهَا وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهَا.قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرّاج عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(٩) ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ الْكَافِرَ يَرَى(١٠) جَهَنَّمَ، فَيَظُنُّ أَنَّهَا مُوَاقِعَتُهُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ(١١) سَنَةً"(١٢)وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ(١٣) لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُنْصَبُ الْكَافِرُ مِقْدَارَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، كَمَا لَمْ يَعْمَلْ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّ الْكَافِرَ لَيَرَى جَهَنَّمَ، وَيَظُنُّ أَنَّهَا مُوَاقِعَتُهُ مِنْ مسيرة أربعين سنة"(١٤) .

(١) في ت: "بما".
(٢) زيادة من ف.
(٣) في ت: "هلكا".
(٤) في أ: "البكائي".
(٥) في أ: "خير".
(٦) في ت: "بينهما".
(٧) في ت: "حتى".
(٨) في ت، ف، أ: "وليس".
(٩) في ف، أ: "عن النبي".
(١٠) في ف، أ: "ليرى".
(١١) في ف: "أربعمائة".
(١٢) تفسير الطبري (١٥/١٧٣) ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.
(١٣) في ت: "أبي" وهو خطأ.
(١٤) المسند (٣/٧٥) .

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الاثنين، 1 مايو 2023

من سورة الكهف

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ٥٠ من 
سورة الكهف 
﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦۤۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّیَّتَهُۥۤ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِی وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِینَ بَدَلࣰا﴾ [الكهف ٥٠]

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا بَنِي آدَمَ عَلَى عَدَاوَةِ إِبْلِيسَ لَهُمْ وَلِأَبِيهِمْ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَمُقَرِّعًا لِمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْهُمْ وَخَالَفَ خَالِقَهُ وَمَوْلَاهُ، الَّذِي أَنْشَأَهُ وَابْتَدَاهُ، وَبِأَلْطَافٍ رَزَقَهُ وَغَذَّاهُ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ وَالَى إِبْلِيسَ وَعَادَى اللَّهَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ﴾ أَيْ: لِجَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ "الْبَقَرَةِ"(١) .﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ أَيْ: سُجُودَ تَشْرِيفٍ وَتَكْرِيمٍ وَتَعْظِيمٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الْحِجْرِ:٢٩، ٢٨]وَقَوْلِهِ ﴿فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أَيْ: خَانَهُ أَصْلُهُ؛ فَإِنَّهُ خُلِقَ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَأَصْلُ خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ نُورٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، أنه قَالَ: "خُلِقت الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وخُلق إِبْلِيسُ مِنْ مارج من نار، خُلق(٢) آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ"(٣) . فَعِنْدَ الْحَاجَةِ نَضَحَ(٤) كُلُّ وِعَاءٍ بِمَا فِيهِ، وَخَانَهُ الطَّبْعُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ تَوَسَّم بِأَفْعَالِ الْمَلَائِكَةِ وَتَشَبَّهَ بِهِمْ، وَتَعَبَّدَ وَتَنَسَّكَ، فَلِهَذَا دَخَلَ فِي خِطَابِهِمْ، وَعَصَى بِالْمُخَالَفَةِ.وَنَبَّهَ تَعَالَى هَاهُنَا عَلَى أَنَّهُ ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ أَيْ: إِنَّهُ خُلِق مِنْ نَارٍ، كَمَا قَالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الْأَعْرَافِ:١٢، ص:٧٦]قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: مَا كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَط، وَإِنَّهُ لَأَصْلُ الْجِنِّ، كَمَا أَنَّ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَصْلُ الْبَشَرِ. رواه ابن جرير بإسناد صحيح [عنه](٥)(٦) .وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْمَلَائِكَةِ، يُقَالُ لَهُمُ: الْجِنُّ، خُلِقُوا مِنْ نَارِ السَّمُومِ مِنْ بَيْنِ الْمَلَائِكَةِ -قَالَ: وَكَانَ اسْمُهُ الْحَارِثُ، وَكَانَ خَازِنًا مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ، وخُلقت الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ غَيْرَ هَذَا الْحَيِّ-قَالَ: وَخُلِقَتِ الْجِنُّ الَّذِينَ ذُكروا فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ. وَهُوَ لِسَانُ النَّارِ الَّذِي يَكُونُ فِي طَرَفِهَا إِذَا الْتَهَبَتْ.وَقَالَ الضَّحَّاكُ أَيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ أَشْرَفِ الْمَلَائِكَةِ وَأَكْرَمُهُمْ قَبِيلَةً، وَكَانَ خَازِنًا عَلَى الْجِنَانِ، وَكَانَ لَهُ سُلْطَانُ [السَّمَاءِ](٧) الدُّنْيَا وَسُلْطَانُ الْأَرْضِ، وَكَانَ مِمَّا سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ، مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ لَهُ بِذَلِكَ شَرَفًا عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ، فَوَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ كِبْرٌ(٨) لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ. فَاسْتَخْرَجَ اللَّهُ ذَلِكَ الْكِبْرَ مِنْهُ حِينَ(٩) أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ "فَاسْتَكْبَرَ، وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَوْلُهُ: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أَيْ: مِنْ خُزَّانِ [الْجِنَانِ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَكِّيٌّ، وَمَدَنِيٌّ، وَبَصْرِيٌّ، وَكُوفِيٌّ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، نَحْوَ ذَلِكَ.وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ مِنْ خُزَّانِ](١٠) الْجَنَّةِ، وَكَانَ يُدَبِّرُ أَمْرَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ، بِهِ.وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ رَئِيسَ مَلَائِكَةِ سَمَاءِ(١١) الدُّنْيَا.وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ خَلاد بْنِ(١٢) عَطَاءٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ -قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ الْمَعْصِيَةَ-مِنَ الْمَلَائِكَةِ، اسْمُهُ عَزَازِيلُ، وَكَانَ مِنْ سُكَّانِ الْأَرْضِ. وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ الْمَلَائِكَةِ اجْتِهَادًا وَأَكْثَرِهِمْ عِلْمًا. فَذَلِكَ دَعَاهُ إِلَى الْكِبْرِ، وَكَانَ مِنْ حَيٍّ يُسَمَّوْنَ جِنًّا.وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأمة وَشَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِر، أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَبِيلَةً مِنَ الْجِنِّ، وَكَانَ إِبْلِيسُ مِنْهَا، وَكَانَ يَسُوسُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَعَصَى، فَسَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَمَسَخَهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا -لَعَنَهُ اللَّهُ-مَمْسُوخًا، قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ خَطِيئَةُ الرَّجُلِ فِي كِبْر فَلَا تَرْجُه، وَإِذَا كَانَتْ فِي مَعْصِيَةٍ فَارْجُهُ.وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِنَ الْجَنَّانِينَ، الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْجَنَّةِ.وَقَدْ رُوي فِي هَذَا آثَارٌ كَثِيرَةٌ عَنِ السَّلَفِ، وَغَالِبُهَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الَّتِي تُنْقَلُ لِيُنْظَرَ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِ كَثِيرٍ مِنْهَا. وَمِنْهَا مَا قَدْ يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْحَقِّ الَّذِي بِأَيْدِينَا، وَفِي الْقُرْآنِ غُنْيَةٌ عَنْ كُلِّ مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تَخْلُو مِنْ تَبْدِيلٍ وَزِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ، وَقَدْ وُضِعَ فِيهَا أَشْيَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ الَّذِينَ يَنْفُون عَنْهَا تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، كَمَا لِهَذِهِ [الْأُمَّةِ مِنْ](١٣) الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ، وَالسَّادَةِ الْأَتْقِيَاءِ وَالْأَبْرَارِ وَالنُّجَبَاءِ(١٤) مِنَ الْجَهَابِذَةِ النُّقَّادِ، والحفاظ الْجِيَادِ، الَّذِينَ دَوَّنُوا الْحَدِيثَ وَحَرَّرُوهُ، وَبَيَّنُوا صَحِيحَهُ مَنْ حَسَنِهِ، مِنْ ضَعِيفِهِ، مِنْ مُنْكَرِهِ وَمَوْضُوعِهِ، وَمَتْرُوكِهِ وَمَكْذُوبِهِ، وَعَرَفُوا الْوَضَّاعِينَ وَالْكَذَّابِينَ وَالْمَجْهُولِينَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الرِّجَالِ، كُلُّ ذَلِكَ صِيَانَةً لِلْجَنَابِ النَّبَوِيِّ وَالْمَقَامِ الْمُحَمَّدِيِّ، خَاتَمِ الرُّسُلِ، وَسَيِّدِ الْبَشَرِ [عَلَيْهِ أَفْضَلُ التَّحِيَّاتُ وَالصَّلَوَاتُ وَالتَّسْلِيمَاتُ](١٥) ، أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ كَذِبٌ، أَوْ يُحَدَّثَ عَنْهُ بِمَا لَيْسَ [مِنْهُ](١٦) ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، وَجَعَلَ جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُمْ، وَقَدْ فَعَلَ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أَيْ: فَخَرَجَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ الْفِسْقَ هُوَ الْخُرُوجُ، يُقَالُ(١٧) فَسَقت الرُّطَبة: إِذَا خَرَجَتْ مِنْ أَكْمَامِهَا(١٨) وَفَسَقَتِ الْفَأْرَةُ مِنْ جُحْرها: إِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ لِلْعَيْثِ(١٩) وَالْفَسَادِ.ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُقَرِّعًا وَمُوَبِّخًا لِمَنِ اتَّبَعَهُ وَأَطَاعَهُ: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ أَيْ: بَدَلًا عَنِّي؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾وَهَذَا الْمَقَامُ كَقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِ الْقِيَامَةِ وَأَهْوَالِهَا وَمَصِيرِ كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ السُّعَدَاءِ وَالْأَشْقِيَاءِ فِي سُورَةِ يس: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ. وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٥٩ -٦٢] .

(١) عند تفسير الآية: ٣٤.
(٢) في ت، ف، ومسلم: "وخلق".
(٣) صحيح مسلم برقم (٢٩٩٦) .
(٤) في أ: "نضح لكم".
(٥) زيادة من ف، أ.
(٦) تفسير الطبري (١٥/١٧٠) .
(٧) زيادة من ت، ف، أ.
(٨) في ف: "كبر في قلبه".
(٩) في ت: "حتى".
(١٠) زيادة من ف.
(١١) في ت، ف: "السماء".
(١٢) في ف: "عن".
(١٣) زيادة من ف.
(١٤) في أ: "البررة والنجباء".
(١٥) زيادة من أ.
(١٦) زيادة من ف.
(١٧) في أ: "تقول".
(١٨) في أ: "كمامها".
(١٩) في أ: "للعنت".

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))